للوقت خصائص عديدة، ولا بد من أن نعرفها لكي نتمكن من استثمارها جيداًً، منها:

1.     لا يمكن تخزين الوقت لاستخدامه فيما بعد.

2.     الوقت يمضي سريعاً.

3.     الوقت هو أغلى ما نملكه على الإطلاق.

4.     استثمار الوقت بشكل فعّال يزيد من قيمته، والعكس يعرضه للتلف.

5.     تفاضل الوقت (لكل وقت نشاط خاص به ويجب أن يتم فيه).

 

1- لا يمكن تخزين الوقت لاستخدامه فيما بعد: فإن ما مضى منه لا يعود ولا يُعوَّض: من الممكن أن يأمل الإنسان استرجاع ما يفقده، إلا الوقت، فلا أمل في استرجاعه أبداً، كما قال الشاعر:

أمس ِالذي َمّر على ُقربهِ      َيعجِزُ أهلُ الأرض عن ردّه ِ

 

 

فالوقت لا ينتظر، وهذا ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "ما من يوم طلعت شمسه فيه إلا يقول: من استطاع أن يُعجّل في خير فليُعجّله، فإني غير مكرَّر عليكم أبداً" (شعب الإيمان للبهيقي: ج3 / باب الصيام/ ح3840)، وعن  الحسن البصري رحمه الله قال: (ما من يوم ينشق فجره إلا ينادي: يا ابن آدم: أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة). ولهذا ترى الكثيرين من الناس بعد بلوغ المشيب، يتمنون لو يرجع العمر بهم إلى أيام الشباب، ولكنه تمن فقط، حيث يقول قائلهم:

ألا ليتَ الشبابَ يعود يوما     فأخبره بما فعَل بي المشيبُ

 

ويصوّر شاعر آخر كيف يذهب العمر بأيَّامه ولياليه بلا أمل في رجعتها، فيقول:

وما المرءُ إلا راكبٌ ظهرَ عمرِه          على سفر ُيفنيه باليوم والشهر

يبيتُ ويُضحي كلَّ يومٍ وليــلةٍ          بعيداً عن الدنيا قريبا إلى القبر

 

2- الوقت يمضي سريعاً: بالرغم من أن بعض الدارسين صنفوا الوقت تصنيفين: الوقت السريع: وذلك عندما يكون الإنسان مستغرقاً أو مستمتعاً في أمر ما، والوقت البطيء: وذلك عندما يمر الإنسان بحزن أو اكتئاب أو همّ، أو عندما يملّ أمراً أو يقضي وقتاً غير محبب، أو عند الهلع، إلا أن التصنيفين لا يدلان على الحقيقة، بل يدلان على شعور الإنسان فقط، ومهما طال عمر الإنسان فهو قصير ما دام الموت في انتظاره، يقول أحد الشعراء:

مرت سنينٌ بالوصالِ وبالهَنـا      فكأنَّها من قصرها أيــامُ

ثم انثنت أيامُ هجرٍ بعدهـــا      فكأنَّها من طُولها أعــوام

ثم انقضت تلك السنونُ وأهلُها      فكأنَّها وكأنَّهم أحــــلامُ

 

ورحم الله الشاعر الذي قال:

وإذا كان آخرُ العمر موتــاً     فسواء قصيرُه والطويل!

 

وقد قال شيخ المرسلين نوح عليه السلام، وهو أطول الأنبياء عمراً، لما أتاه ملك الموت: "وجدت الدنيا كدار لها بابان، دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر"، كل هذا يدل على أن الوقت يمر بسرعة، وأن العمر ينكمش و يتضاءل عند الموت، ومثل ذلك عند قيام الساعة، حيث يتبين للإنسان قصر ما فاته، حتى يقول الله تعالى: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) (النازعات: 46)، وفي آيةٍ أخرى: (ويوم يحشرهم كأنهم لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم) (يونس: 45).

 

3- الوقت هو أغلى ما تملكه على الإطلاق: ما هو أغلى ما تملكه؟ صحتك؟ شبابك؟ قدرتك على العطاء؟ قدرتك على خدمة الآخرين؟ قدرتك على الإنتاج؟ .... ما هو أغلى ما تملكه؟

 

دعنا نتساءل سوية: ما هو الوقت؟ قال أحد الحكماء: "هو الحياة! فما حياة الإنسان إلا الوقت الذي يقضيه من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة"، فما هو الشيء الذي يعد أغلى من الوقت؟ المال؟ الذهب؟ الألماس؟ اللؤلؤ؟......؟ اعتقد جازماً بأنه أغلى من كل جوهر نفيس، أو حجر كريم، فأنت وقتك، ووقتك أنت، وفي هذا قال الحسن البصري: "يا ابن آدم: أنت أيام مجموعة، إذا ذهب يومك، ذهب بعضك!" فكيف إذا كان الوقت سريع الانقضاء، وكان ما مضى منه لا يرجع ولا يُعوّض بشيء؟

 

ومن الجدير في هذا المقام أن نذكر قتلة الوقت: حيث أنك تسأل أحدهم: ماذا تفعل هذا المساء؟ فيجيبك بأنه ذاهب إلى مكان ما مثلاً، فتسأله لماذا؟ ماذا ستفعل فيه؟ فيجيبك: "والله أريد قتل الوقت"!!!

أتراه يقتل الوقت؟ أم يقتل نفسه؟

أتراه مدركاً لقيمة نفسه كي يقتلها؟

الوقت لا يمكنه قتله! إنما نفسه ما يمكنه قتلها!!

 

4- استثمار الوقت بشكل فعّال يزيد من قيمته، والعكس يعرضه للتلف: إن كيفية تعاملنا وقضائنا لوقتنا تحدد مدى جودة استثمارنا له، ونحن ندرك جيداً أن الوقت يمضي سريعاً ولا يمهلنا لاستغلاله، وبقدر ما تبذل من جهد في استغلاله واستثماره بقدر ما تزداد قيمته.

 

إن مقياس تقدم الأمم وازدهار حضارتها ونهضتها هو في حسن استغلالها لوقت أفرادها وإدارتهم له، حيث أن إنتاجية العامل الأمريكي أو الياباني تزيد كثيراً عن إنتاجية العامل في الدول النامية التي تبلغ في آخر الإحصائيات 36 دقيقة فقط في اليوم؟!

 

5 - تفاضل الوقت (لكل وقت نشاط خاص به ويجب أن يتم فيه): عندما تدعو شخصاً ما إلى الغداء، وتحدد موعداً له في الساعة الثانية ظهراً مثلاً، وقبل الموعد تنشغل عن الإعداد للوليمة ولا تستثمر الوقت ليكون الغداء جاهزاً في وقته، ولا تجهز الوليمة إلا الساعة الواحدة ليلاً، فماذا تفعل بالوليمة؟ وماذا تفعل بالضيف؟

فبعد أن دعوت الضيف للغداء في الثانية، أصبح للوقت الذي يسبق الثانية ظهراً خاصية معينة، حيث أنه لا بد من إنهاء إعداد الوليمة فيه، وهكذا عندما تكون مُكلفاً (أو عندك) بمهام معينة يجب إنجازها في أوقات معينة، فتصبح لهذه الأوقات أهمية وتفاضل معين عن بقية أوقات اليوم، قد لا يكفي إنجاز هذه المهام في أوقات متأخرة (مثل دعوة الغداء) وكذلك الأمر بالنسبة لوقت (أو عمر) الشباب، ووقت النشاط.

 

وفي نفس الوقت يختلف كل يوم من أيام حياتك عن الآخر، كما يختلف نشاطك بين ساعات اليوم، فقد تكون في أحسن حالاتك في أول الصباح، لكن هناك دائماً ساعات معينة تكون أنت فيها في قمة نشاطك، وعندما يكون الإنسان في قمة نشاطه، يستطيع أن يمارس أنشطة فكرية تحتاج إلى تركيز، والأنشطة التي تحتاج إلى تركيز تستطيع أن تقوم بها في الساعات التي تكون فيها عادة في قمة نشاطك.

 

فعندما تكون لديك مهام تحتاج إلى حضور قوي للذهن مثل التخطيط، أو التفكير بقضايا مهمة فالأفضل أن تقوم بهذه المهام (أو الأنشطة) في أوقات ذروة النشاط، تخيل معي شخصاً يحاول أن يضع خطة وهو مرهق، على الأرجح أنها ستأخذ منه وقتاً مضاعفاً لوضعها، وسيكون أداؤه فيها ضعيفاً. وإذا لاحظت، يقوم معظم الناس بأنشطة عادية في هذه الأوقات (أوقات قمة النشاط) أما الأنشطة التي تحتاج إلى تركيز فيتركونها إلى أوقات أخرى (وفي أغلب الأحيان يكون فيها النشاط منخفضاً).

 

ومن هنا كان لا بد من الانتباه إلى أوقات ذروة نشاطك في اليوم، وأن تستثمرها في الأعمال التي تحتاج إلى تركيز، وأن تعمل كل شيء في وقته، فتفكر في أوقات التفكير، وتعمل في أوقات العمل، وتقرأ في أوقات القراءة، حيث أنه "يوجد وقتٌ وموسم لكل شيء في هذه الدنيا".

 

الوقت في حياة المسلم

د. يوسف القرضاوي

مؤسسة الرسالة

2004

إدارة الوقت

د. طارق سويدان

قرطبة للإنتاج الفني

2004

جدد حياتك

محمد الغزالي

دار القلم

2004

حفظ العمر

الإمام عبد الرحمن بن الجوزي

دار البشائر الإسلامية- دار الصديق

2004