هل يمكن أن تذكروا لي سبعة فقط من الفروقات الجوهرية بين البرغوث والإنسان؟

كان هذا السؤال هو ما ابتدر به أستاذي محمد بدرة أول لقاءه معنا في دورة تدريب المدربين (ICT ( بالخرطوم ديسمبر2010، ثم أنه أردف قائلاً: "بنهاية هذه الدورة ستكونون قادرين على معرفة بعض الفروقات الجوهرية بين البرغوث والإنسان!"

 أثار السؤال فضولي وتعجّبي. فما العلاقة أصلاً بين البرغوث - تلك الحشرة القميئة - والإنسان الذي كرمه الله على بقية مخلوقاته؟ ثم ما علاقة كل ذلك بدورة تدريب المدربين؟

 اكتشفت بعد التأمل العميق في هذا السؤال بعضاً من الجوانب الفلسفية المرتبطة به. وها أنا أحاول أن أضع بين يدي القراء الكرام بعضاً مما اعتقد انه الإجابة علي السؤال. لكن دعونا نجري عليه تحويراً بسيطاً وليكن علي النحو التالي: ما هو الشئ الذي يجب على الإنسان أن يتجنب الوقوع فيه حتى لا يتدني من مرتبة إنسانيته إلى مرتبة البراغيث؟ أو... ما الذي علي الإنسان أن لا يفعله حتى لا يصبح البرغوث أفضل منه؟
1. ميزة إعمال العقل:
يقول د. البوطى: حفظه الله شارحاً لحكمة ابن عطاء الله السكندري الثالثة عشر:
 "أن الإنسان مكون من جسد يشترك فيه مع باقي البهائم وقلب وعقل. إما الجسد فهو قفص لا شأن له ولا قيمة. أما القلب والعقل فهما مركبين أساسيين فيهما تتكامل إنسانية الإنسان. والعقل هو الذي يدرك ويعي الأشياء، أما القلب فهو مجمع العواطف التي تتحقق بها الكراهية والحب والخوف والتعظيم. لذلك فان القلب هو القائد دوماً لسلوك الإنسان بينما العقل هو مجرد مصباح يضئ ويرشد الطريق".(البوطى: 179-180)
فإذا غشيت القلوب زادة المعاصي والآثام ورغبات الدنيا فهل بقى من إنسانيته شئ؟ لا يكون البرغوث -الذي لم يتفضل الله عليه بنعمة العقل وهو بالتالي غير مسئول عن سلوكه - أفضل من ذلك الذي غيّب عقله وهبط بنفسه عن المرتبة الإنسانية الشريفة إلى المرتبة البهائمية الوضيعة؟!
2. صفة التطفل:
يعيش البرغوث متطفلاً على دماء الإنسان. أما الإنسان فهو مطالب بأن يكدح في الأرض ويجتهد ويسعي. فإذا أصبح الإنسان خمولاً كسولاً وارتضي لنفسه الدّعة المكسبة للذلة والمسكنة. وإذا اكتفى بأن يعيش عالة على الآخرين في فكره أو رزقه أو متطفلاً علي الآخرين في علمه أو صنعته فهل يبقى له من إنسانيته شئ؟ إلا يكون البرغوث- الذي جبله الله على التطفل ولا حيلة له سوى ذلك - أفضل من ذلك الذي سولت له نفسه العيش متسولاً فهبط بنفسه عن المرتبة الإنسانية الشريفة إلى المرتبة البهائمية الوضيعة؟!
3. مهمة إعمار الكون:
الإنسان هو الكائن الوحيد في هذا الكون الشاسع الذي حُمِّل مسئولية إعمار الأرض.
 يشرح د. محمد عابد الجابري مفهوم "الأخلاق" عند الحرث بن أسد المحاسبي احد متصوفة زمانه في العصر العباسي مبرزا الأهمية البالغة التي أولاها المحاسبى لقيمة حرية الإرادة باعتبارها جزء لا يتجزأ من مفهوم العقل. فيقول: لأن الإنسان ميزه الله بميزة التمييز فهو يتحمل مسئولية أفعاله لأنها منه، ولو لم تكن أفعاله منه لما استحق الحساب والعقاب. والرجل يسمي عاقلاً عن الله إذا كان مؤمناً خائفاً من الله عز وجل. فكمال العقل عن الله يكون بثلاث من خلال:
  •    الخوف منه والقيام بأمره.
  •    قوة اليقين به.
  •   حسن البصر بدينه بالفقه عنه فيما أحب وكره. وجماع هذه الثلاث قوة اليقين وحسن البصر بالدين. فإذا عقل المؤمن بالخلال الثلاث المذكورة فعلم أن الله هو المالك فتواضع لعظمته ولم يذل لمن سواه...وعقل عن الله أنه ابتدأ عباده بالرحمة والتفضل والإحسان فألزم قلبه رحمة الأمة فأحب محسنهم وأشفق علي مسيئهم...وعقل عن الله إن نفسه إمارة بالسوء وللذنوب مسئولة ...(الجابري: 551-552) فتاب... أفلا يحقق بذلك مرتبة الإنسانية؟ وإذا غفل عن ما ذكرنا إلا يكون ذلك قدحاً لمرتبته الشريفة وانحطاطاً به إلي المرتبة البهائمية الوضيعة؟ وفي هذه الحالة إلا يكون البرغوث أفضل منه!
 
4. صفة الإيذاء:
البرغوث كائن مؤذٍ يتعدي على البشر فيمتص دمه ليعيش. لكن هل سمع أحد منا عن قبيلة من البراغيث أهلكت شعباً حقداً وحسداً أو طمعاً وتجبراً؟ أو أن البراغيث قد قررت أن تشيع في الأرض الفساد؟ أو أن تبيد حضارةً؟
يقول د. مصطفى حجازي نقلاً عن أحد العلماء:
" إن الحقد هو أهم ما يميز عدوانية الإنسان عن عدوانية الحيوان. فليس هناك حقد عند الحيوانات. كما أن عدوانية الحيوانات لا تصل أبدا درجة الاستقلالية التي تلاحظ عند الإنسان. فالحقد هو عدوانية تسامت حتى تجاوزت البيولوجي كلياً كي تصل مرتبة نفسية خالصة ويأتي الحقد إجمالاً من تراكم مزمن للعدوانية، ثم يقول د. حجازي معلقا علي ذلك: إن هذه الأفكار تلغى الأسطورة عن عنف الحيوان وتضعنا أمام مصيرنا بوضوح..." (مصطفي: 185).
وفي ذات الشأن يقول د. توفيق
"الطويل معقباً وشارحاً لنظرية الفيلسوف "كانط" الأخلاقية: إن الإنسان مقيد بطاعة القانون- لا كعبد تستبد به سلطة خارجية- بل كرجل حر يقيد سلوكه بنفسه احتراماً لإنسانيته، ومن ثم كان شعوره بالإلزام، ويترتب علي حرية التصرف مقرونة بالتعقل قيام التبعية الخُلُقية. إن التبعية لا تستقيم بغير الحرية بل قيل إن الشعور بالتبعية يكفى مبرراً للتسليم بحرية الإرادة، والإنسان يشعر بأنه مسئول عن أفعاله طالما كان في وسعه أن يردها إلي ذاته (العاقلة) وتنتفي مسئوليته متى كان مسوّقاً إلي أفعاله بسلطة خارجية أو حتى متى كان مرجع سلوكه إلي ذاته اللاعاقلة، ومن أجل هذا جاء تأنيب الضمير عند اقتراف معصية، وكانت التوبة كثيراً ما تقترن بمحاسبة النفس." (توفيق الطويل : 408)
والآن إذا فشل الإنسان في أن يتدارك أحقاده وعدوانيته ولم يسارع بتنظيف دواخله والتحلي بالأخلاق الحسنة، ولم يستطع تحمل المسئولية الأخلاقية أو علي الأقل الندم علي ما فات من ذنبٍ ، فهل يبقى له من إنسانيته شئ؟ إلا يكون البرغوث- الذي جبله الله على الذي المحدود فقط من أجل إلتقام غذائه ولا حيلة له سوى ذلك- أفضل من ذلك الذي سولت له نفسه الهبوط بذاته من المرتبة الإنسانية الشريفة إلى ما هو أدني من المرتبة البهائمية الوضيعة؟!
 
5. إدارة الوقت:
البرغوث حياته قصيرة وسواء محياه ومماته، فلن يبكي عليه أحد إن مات أو انتهي أجله. أما الإنسان فحياته محدودة إلا أن زمنه غالٍ وسيسأل عن فراغه فيما أنفقه.
يقول براين تراسي:
" للأسف فإن اغلب الناس كسالي حتى أصبح إهدار الوقت سمة عالمية وفقاً لمؤسسة Robert Half International التي اكتشفت أن الشخص العادي يعمل لأقل من 50% من الوقت الذي يتقاضى عليه أجراً. ومما يزيد الأمور سوءاً أنه حين لا يهدر الناس أوقاتهم فعادة ما ينشغلون بمهام ليست ذات أولوية كما أنهم لا يعملون بالكفاءة اللازمة لذلك. وعلى هذا فهم لا ينجزون إلا أقل القليل فيتراكم عملهم أمامه وينقلونه من هنا إلي هناك. وحين تتعاظم الضغوط يندفعون نحو المهمة لإتمامها وينتهون منها على أسوأ حال".(تراسي: 218-219)
ويقول في ذلك الكواكبي رحمه الله:
" يعيش الإنسان في ظل العدالة والحرية نشيطاً على العمل بياض نهاره، وعلي الفكر سواد ليله لأنه هكذا رأي أبويه وأقرباءه وهكذا يري قومه الذين يعيش بينهم. يراهم كلهم دائبين علي الإعمال يفتخر منهم كاسب الدينار بكده وجده علي مالك المليارات عن أبيه وجده، ويكون فرحاً فخوراً نجح أم لم ينجح لأنه برئ من عار العجز والبطالة.
أما أسير الاستبداد فيعيش خاملاً خامداً ضائع القصد حائراً لا يدرى كيف يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه كأنه حريص علي بلوغ أجله ليستتر تحت التراب". (الكواكبي: 497-498)
إذا كان الأمر كذلك فإن الذي أتقن فن إهدار زمنه سيهبط بإنسانيته لا محالة إلى مرتبة دون مرتبة البراغيث!
 
6. في التسبيح والعبادة:
تسبح الكائنات كلها لله الواحد القهار. والإنسان هو الكائن الوحيد الذي ترك الله له حق الاختيار إما شاكراً أو كفوراً. فهو مكلف بتوحيد الله اختياراً لا اضطراراً. فإذا أختار الإنسان عمداً الغفلة وأعرض عن ذكر الله وأختار لنفسه حياة الغيبوبة عن الله والعيش كالأموات. فهل بقي له من إنسانيته شئ؟ إلا يكون البرغوث في هذه الحالة أحق بالأفضلية عنه؟!
 
7. القدرة علي التعلم والتطور:
الإنسان هو الوحيد علي ظهر هذه الكرة الأرضية الذي أودع الله له القدرة علي تطوير عقله بالعلم والتدريب والممارسة والخطأ والصواب.
وفي ذلك يقول الكواكبي رحمه الله:
" خلق الله في الإنسان استعدادا للصلاح والفساد، وبالتربية تربو باستعداده جسماً ونفساً وعقلاً إن خير فخير وإن شر فشر. والتربية ملكة تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس ، فأهم أصولها وجود مربين وأهم فروعها وجود الدين. وجعلت الدين فرعاً لا أصلاً لأن الدين علم لا يفيد العمل إذا لم يكن مقرونا بالتمرين". (الكواكبي: 496-496).
ويقول الدكتور راتب النابلسي حفظه الله:
 "العلم الذي نرتزق منه وكفى، حرفةٌ من الحرف، نرتزق منه فقط ولا نعرف الله به، العلم الذي لا يصل تأثيره إلى نفوسنا، حذلقة لا طائل منها، العلم الذي يجعلنا نتيه على غيرنا نوعٌ من الكبر، العلم الذي يعطل فينا المحاكمة السليمة نوعٌ من التقليد، العلم الذي يوهمنا أننا علماء كبار نوعٌ من الغرور، العلم الذي يسعى إلى تدمير الإنسانية كالأسلحة الجرثومية و القنابل العنقودية، هذا العلم نوعٌ من الجريمة".
 فإذا حجّر الإنسان عقله وحجب عنه نور العلم وآثر أن يبقى في ظلمات الوهم والجهل، أو حوّل نعمة العلم إلى نقمة، أفلا يستحق البرغوث – الجاهل- أن يكون أفضل منه؟!
المراجع:
  • ابن عطاء الله السكندري (شرح وتحليل محمد سعيد رمضان)، الحكم العطائية، ط.3، الجزء الأول، (دمشق: دار الفكر،2007).
  • براين تراسي، ارسم مستقبلك بنفسك، ط. 3 (الرياض: مكتبة جرير، 2008).
  • توفيق الطويل، فلسفة الأخلاق: نشأتها وتطورها، ط.4، (القاهرة: دار الثقافة للنشر، 2006).
  • عبد الرحمن الكواكبي (دراسة وتحقيق محمد جمال طخان)، الأعمال الكاملة للكواكبي، سلسلة التراث القومي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004).
  • محمد عابد الجابري،العقل الأخلاقي العربي:دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية، ط.2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006).
  • مصطفي حجازي، التخلف الاجتماعي: مدخل إلي سيكولوجية الإنسان المقهور، ط.10 ( الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2007).
  • محاضرات د. راتب النابلسي، سبل الوصول وعلامات القبول، أنواع العلم بتاريخ: 2009-01