نحن نعلم أن من أهم الأدعية التي ندعو الله بها ونكررها، الدعاء بحسن الخاتمة.. كما أننا نعلم أن الإنسان إذا آل إلى الله بخاتمة حسنة، آل إليه مغفوراً مكرماً، والعكس أيضاً صحيح، وكثيراً ما نستشهد على هذا بآيات من كتاب الله عز وجل من مثل قوله تعالى: { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ، هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } { ق: 50/31ـ33 }

 ولا ريب أن هذا الدعاء مطلوب ومفيد، وأن اعتقادنا بأهمية حسن الخاتمة اعتقاد صحيح وسليم.

ولكن في الناس من يتصوَّرون أن هذا يعني، أن لا عبرة من سلوك الإنسان وحاله، إلا بما يكون منه في آوخر حياته. أي فلا حرج في أن يستجيب الشاب لأهوائه ونزواته، وأن يشرد عن أوامر الله وصراطه، وحسبه أن يرعوي إلى الله وأحكامه عندما تنزل به الشيخوخة أو يشعر أن مرضاً خطيراً قد أحدق به.

كثيرون هم الذين يتصورون هذا، يستسلمون لنزواتهم ورغباتهم في مقتبل العمر، وفي مرحلة القوة والنشاط، معتقدين أن العبرة بما تكونليه حال الإنسان في الأيام الأخيرة بل ربما الساعات الأخيرة من حياته.

ولكن فلتعلم أن هذا التصور خطأ قتَّال، وخدعة شيطانية ماكرة!...

إن خاتمة حياة الإنسان لا تكون إلا ثمرة ونتيجة لما قبلها من البدايات والأحوال السابقة، إنها ليست إلا الصدى لما كان عليه حال الإنسان من قبل، معتَقَداً وسلوكاً.

أرأيت كيف ينشأ الأصل، ثُمَّ تنبثق عنه فروعه؟.. أرأيت إلى النبات كيف يخضرّ ثم ينمو، ثم تظهر الثمرة في أعلاه؟ كذلكم خاتمة حياة الإنسان، إنها فرع وثمرة لما كان عليه حاله من قبل.

ألا فلتعلم أنه بمقدار ما تكون بداءات حياتك سليمة مستقيمة لاعوج فيها، تضمن لنفسك خاتمة حسنة، إذا حان الرحيل وجاء الموت، وبمقدار ما تستسلم في البداءات السابقة من حياتك لعواصف الأهواء والشهوات ومحبة الأغيار، تغيب عنك هذه الخاتمة الحسنة.

تلك هي الحقيقة التي ينبهنا إليها ابن عطاء الله في حكمته هذه: ((من علامات النجح في النهايات، الرجوع إلى الله في البدايات)).

قد تقول ولكن الحديث الصحيح الذي يقول رسول الله في أوله: ((إنه ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه..)) يؤكد خلاف هذا الذي تقول في نهايته، إذ يختمه رسول الله قائلاً: ((فو الذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها))

أقول: إنك إن فهمت الحديث على الوجه الذي توهمته، فذلك يعني أن الله عز وجل من شأنه أن يضيّع قربات الطائعين وأن يبدّدها لهم، ويسقط ما قد يكون فيها من قيمة من حيث هي طاعة أريد بها وجه الله.

وهذا الوهم باطل منفي عن ذات الله عز وجل، مناقض لصريح بيانه في محكم تبيانه، ألم يقل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } { الكهف: 18/30 }, أولم يقل: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ  )) [ البقرة: 2143], أوليس هو القائل: ((فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ)) [أل عمران:3195].

 إذن لابدّ أن يفهم كلام رسول الله في هذا الحديث الذي يستشكله بعض الناس، بما يتفق وكلام الله عز وجل.

وسبيل التوفيق هو أن نعود إلى كلام رسول الله ذاته في هذا الحديث. فقد روى مسلم في صحيحه هذه الفقرة الأخيرة من الحديث بألفاظ قريبة أخرى من حديث سهل بن سعد الساعدي، جاءت هكذا: ((إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)) .

إن كلمة ((فيما يبدو للناس)) الواردة في الحالتين في رواية سهل بن سعد هذه، تبرز وجه الانسجام التام بين الحكمة التي نحن الآن بصدد شرحها وكلام رسول الله في نهاية الحديث المذكور.

وفي ضوء هذه الرواية التي قيدت عمل الإنسان بكلمة ((فيما يبدو للناس)) ينبغي فهم الرواية الأخرى المطلقة والتي هي من رواية عبد الله بن مسعود، لأن القاعدة الأصولية المعروفة تقضي بتفسير اللفظ العام في ضوء الخاص والمطلق في ضوء المقيد، لا العكس.

إذن فالانفصال الذي قد تراه بين ختام حياة الإنسان وبداياتها إنما هو فيما يبدو، كما يقول رسول الله، أما في الحقيقة التي قد لا تبدو لك، فبينهما من الاتصال والتفاعل مابين السبب والمسبب، والمقدمة والنتيجة، والأصل والفرع.

وبيان ذلك أنك قد ترى الرجل يلازم المساجد، لا تفوته صلاة الجماعة، لا يغيب عن مجالس العلم والذكر، تبدو عليه سيما الصالحين، ولكنه يرائي الناس في سره.. يجعل من سلوكه والتزامه هذا سبيلاً لثقة الناس به ومحبتهم له، كي تروج تجارته وتتحقق مصالحه، فهو يعمل عمل أهل الجنة في الظاهر، أي فيما يبدو للناس، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك، إذ إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وقد قال رسول الله : ((إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم)) وأشار بإصبعه إلى صدره فختام حياته يأتي منسجماً مع واقع حاله السابق الذي يعلمه الله، وإن لم يكن منسجماً معه في الظاهر المخادع الذي يبدو لك.

وقد ترى الرجل عاكفاً على الموبقات مبتلى بالمحرمات، فهو فيما يبدو يعمل بعمل أهل النار ويسير نحو النهاية التي سينتهون إليها، ولكنك لا تطلع على ماوراء هذا الظاهر من خفايا شأنه، لعله يعود في نهاية كل يوم أو ليلة إلى داره، كسير القلب أسيف البال، يشكو إلى الله سوء حاله ويتضرع إليه أن ينتشله من وهدة انحرافه (والدعاء كما قد علمت لب العبادة، بل هو العبادة) ولعل آلامه الخفية هذه تدعوه إلى أن يتقرب إلى الله بما يتأمل أن يكون سبباً لتوبته أو شفيعاً له عند الله عز وجل، فيمعن في البحث عن الفقراء والضعفاء والمنكسرة قلوبهم لظلم حاق بهم أو لعجز انتابهم، يرعاهم ويكشف عنهم أسباب بؤسهم ويرفع يد الظلم عنهم، لا يبتغي من وراء ذلك شيئاً إلا أن يكرمه الله، بالهداية وأن يتجلّى عليه بالمغفرة والصفح.

ولعلك لا ترى من أعماله الخفية هذه شيئاً، إذ الغالب أنها إذ تصدر من هؤلاء التائهين تكون خفية، وتكون الدوافع إليها قلبية لا يطلع عليها إلا الله عز وجل.

فإذا فوجئت بتوبة هذا الإنسان إلى الله قبيل وفاته، وبإقباله إليه بالأعمال الصالحة، يخيل إليك بسبب الظاهر من حاله السابقة التي لمتكن تعلم غيرها، أن الله قد أكرمه بخاتمة جاءت على غير أساس وبدون أي مقدمات، وقد تتوهم من جراء جهلك ببواطن الأمور أن هذه الحكمة غير دقيقة أو غير صحيحة.

مما ييسر معرفة هذا الجواب أن تعلم أن الرجوع إلى الله في البدايات ليس محصوراً في الأعمال الظاهرة  ومما ييسر لك فهم هذا الذي نقول، أن تعلم أن الرجوع إلى الله في البدايات، ليس محصوراً في ظواهر الطاعات والعبادات، بل لا ينطبق دائماً على هذه الظواهر، إن من الرجوع إلى الله عز وجل كثرة الالتجاء إليه والتضرع بالدعاء بين يديه، ولاشك أن من أحب الأعمال إلى الله أخفاها وأكثرها خصوصية بين العبد وربه. وهذا هو شأن الالتجاء إلى الله والانكسار على أعتابه بالدعاء الواجف.

ولعمري لا قيمة لظواهر الطاعات، إن لم يكن لها اتصال بجذور هذه الأحوال الخفية التي مكانها القلب والتي لا يطلع عليها إلا الله عز وجل. إن ظواهر الطاعات تغدو عندئذ أشباحاً بدون أرواح، وصوراً مزيفة عن الحقائق، إنها أشبه ما تكون بهذه الزهور الاصطناعية لها صورة الزهور وليس فيها شيء من عبقها وأريجها!..

وإذا وقفت على مثل قول الله عز وجل: { وَقَدِمْنا إِلَى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً } { الفرقان: 25/23 } فأعلم أن الله لم يقض قضاءه هذا بحق أعمالهم تلك, إلا لأنهم ابتغوا بها معبوداً لهم غير الله عز وجل, من دنيا يسعون إليها أو أناس يطمعون في خيرهم أو يخافون من شرهم, أو رئاسة أو زعامة يحلمون بها.

 

وكيف يهدر الله أعمالهم ويحيلها إلى هباء منثور، عندما تكون نقية خالصة من الشوائب، وهو الذي يقول في محكم كتابه { فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } { آل عمران: 3/195 } وهو الذي يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا  )) [ الكهف: 1830].

 ثم إن إدراك هذه الحقيقة، يكشف لك اللغز الذي لا يستبين تفسيره لكثير من الناس، والذي يتمثل في حال أناس كنت تراهم في الظاهر. أيام نشاطهم وإقبالهم إلى الحياة من ذوي الطاعات والقربات والمنافسين لغيرهم في الخيرات والمبرات، فلما كانت خاتمة حياتهم اتجهوا إلى الموبقات وتحللوا من الالتزامات، ثم ماتوا عاكفين على هذه الحال. إن هذه الظاهرة تعني أنهم لم يكونوا من خلال طاعاتهم والتزاماتهم السابقة يتعاملون مع الله، وإنما كانوا يتعاملون مع مصالحهم ورغائبهم الدنيوية التي كانت تقتضيهم الظهور بمظهر الالتزامات الدينية، والأعمال الصالحة المبرورة، ولا تنس أن التعامل بالدين أيضاً سلعة تجارية رابحة لمن ابتغى ذلك، شأنها كشأن السلع التجارية الأخرى، كالأقمشة والأغذية وأعمال البناء ونحوها.

كما قد يتمثل في حال أناس آخرين، كنت تراهم في حال إقبالهم إلى الحياة، وفي مرحلة نشاطهم فيها، عاكفين على الغيّ شاردين عن أوامر الله، حتى إذا كانت الأيام أو الأشهر الأخيرة من حياتهم، تحولوا من حالهم تلك إلى حال أخرى من التوبة والإنابة إلى الله، وتحرروا من سائر الموبقات التي كانوا أسيرين لسلطانها، وضبطوا أنفسهم بأوامر الله وأحكامه، ثم جاءهم الموت وهم على هذه الحال... إن هذه الظاهرة تعني أنهم في حالهم الأولى، كانت لهم صلة خفية بالله عز وجل، تتمثل في قربات خفية يبتغون بها وجه الله عز وجل، أو في كـثير من الدعوات والالتجاءات إليه عز وجل أن يهديهم ويتداركهم بالعون على التوبة والإنابة إليه، ونحن لا نطلع على هذه الأمور الخفية التي قضى الله تعالى أن تبقى سراً بين الله عز وجل وعباده هؤلاء.

فأما من استوى الظاهر والباطن في حياته من حيث الاستقامة على دين الله وأوامره، أو من حيث الشرود عنهما والتفلت عن ضوابطهما، فلابدّ أن تأتي الخاتمة متساوقة ومنسجمة مع البداية إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وستجد عندئذ مدى دقة هذه القاعدة القائلة: ((من علامة النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات)) .

واعلم أن من ثمرات إدراكك لهذه الحكمة، وتبينك لمستنداتها من القرآن والسنة، كما أوضحنا، أن تكون كثير الأدب مع عباد الله جميعاً. شديد الحيطة في أحكامك عليهم كثير التحفظ في قراراتك بحقهم..

إن رأيت من يبدو على ظاهره الإعراض عن أوامر الله، والاستغراق في الموبقات والمنسيات والملهيات، فتوجه إليه بما تستطيع من النصح والتذكرة، وأْمُرْهُ ما وسعك الأمر بالمعروف، وانْهَهُ عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن إياك أن تحكم عليه في سرّك أو بلسانك بأنه من أهل الشقوة والعذاب، فإنك لاتعلم شيئاً من خفايا أمره وحاله مع الله عز وجل، ولا تعلم أَلَهُ خيوط من أعمال صالحية خفية يبتغي بها وجه الله عز وجل. بل كن على حذر من مثل هذا الحكم الغيابي عليه، بل ضع في اعتبارك أنه ربما أصبح في عاقبة أمره خيراً منك.

وإن رأيت من تبدو على ظاهره الاستقامة على أوامر الله وتتجلى في تصرفاته وأحواله سيما الصلاح والتقوى، فحسّن الظن به عملاً بقاعدة ((نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) ولكن لا تجزم بعاقبة أمره، ولا تتأل على الله في حكمك له بالخاتمة الحسنة، فإنك لا تتطلع على خفايا قصده، ولا على سرائر أعماله وسلوكه. غير أن الحيطة في الأمر تقتضي أن تحسن الظن بهذا وذاك.

تحسن الظن بهذا، عملاً بقاعدة ضرورة الحكم بمقتضى الظاهر، وتحسن الظن بذلك أملاً في أن يكون له من الصلة الخفية بالله ما يكون شفيعاً له بين يدي الله، وما يكون سببا في إكرام الله له بالخاتمة الحسنة، في دنياه.

إنّ أمر العصاة بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أياً كانوا، أمر حسن ومطلوب، بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن الترفع والاستكبار عليهم أمر سيّئ ومذموم، وليعلم من لا يبالي بذلك أنه من هذا الشأن على خطر. ويبدو أنه ابتلاء يعاني منه كثير من الناس الذين يفرحون بأنهم مستقيمون ملتزمون بأوامر الله عز وجل.. يحملهم فرحهم بذلك على الانتقاص من شأن العصاة والتائهين وعلى ازدرائهم والشعور بالسمو فوقهم والتعالي عليهم.

أذكر يوم كنت ألقي دروس الحكم العطائية هذه في مسجد السنجقدار أن شاباً مخموراً اقتحم المسجد، أثناء الدرس، وهو يتطوح سكراً. واتخذ لنفسه مكاناً بين الجالسين، فهب إليه جمع من المصلين الجالسين وأقبلوا ينتهرونه ويعملون على طرده من المسجد.

قلت لهم: فيم تنتهرونه وتطردونه؟!.. عاص جاء يلوذ من عصيانه ببيت من بيوت الله عز وجل. أتحولون بينه وبين إلهه الذي جاء يلوذ به؟ وما أدراكم؟ لعل الله سيتقبل منه إقباله والتجاءه، فيطهره من عصيانه ويتوب عليه، ويغدو بعد أيام أو شهور خيراً مني ومنكم؟

ووضع أحدهم أمامي، خلال تلك الدروس ذاتها، ورقة حذرني فيها من أن في المسجد مخبرين جاؤوا للمراقبة وتتبع ما سأقوله في الدرس، ونعت صاحب الورقة هؤلاء المخبرين بصفات سيئة غير لائقة.

وأذكر أنني علقت على ما جاء في هذه الورقة، مطولاً، ووجهت السؤال التالي إلى كاتب الورقة: من أين لك أن تجزم وتستيقن أنك أحسن حالاً عند الله، من هؤلاء الإخوة الذين تحذرني منهم؟ وما الضمانة التي تجعلك على يقين بأن الشيطان لن يغويك، ولن يتخطفك عن صراط الله عز وجل، ليزجك في شرٍ من الحال التي عليها هؤلاء الناس؟ وما القرار الذي اطلعت عليه بأن الله لن يهديهم إلى خير مما أنت عليه الآن؟

ثم لماذا تحتكر قابلية الاستفادة من سماع الحق، لنفسك؟ ألسنا جميعاً، نحن بني آدم، مفطورين على هذا الحق الذي نذكره ونتواصى به؟ أولم يجهزنا الله جميعاً بالعقل المدرك وقابلية الانقياد للحق؟ وهب أن هؤلاء الناس أقبلو فجلسوا في هذا الملتقى المبارك في بيت الله عز وجل لغاية، ألم يقل رسول  الله في الحديث الصحيح عن مثل هؤلاء الناس الذين تنتقصهم، نقلاً عن ربه عز وجل: ((..هم القوم، لايشقى بهم جليسهم))

وصفوة القول أن على المسلم الذي أكرمه الله بالهداية والالتزام أن يكون متأدباً مع عباد الله، وأن عليه أن يدرك أن أشدّ الناس غواية وضلالاً، ربما أصبح أكثر منه هداية وأشد منه التزاماً... على أن لا يصدّه ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كلما اقتضى الأمر ذلك.

فإذا آل هذا العبد إلى الله، دون أن تدري بيقين حاله التي فارق الدنيا عليها، فافترض بل رجح أنه لم يفارقها إلا تائباً صالحاً مصطلحاً مع الله عز وجل، فإن خيراً من ظنك السوء به، وظنك المقت من الله له، أن تظن التوبة والإنابة منه إلى الله، والصفح والغفران من الله عز وجل له.

ولهذا صح عن رسول الله أنه قال: ((اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساوئهم))، وقد ورد هذا الحديث بأكثر من طريق بألفاظ متقاربة.

وياعجباً لبعض الناس اليوم!.. كيف يحسنون الظن بالله في حق أنفسهم ويبالغون في الوقوف عند مظاهر ودلائل إكرامه ورحمته ومغفرته، ويستذكرون الآيات والأحاديث التي تؤكد سعة عفوه، فإذا ذُكّروا بعصاة ومسرفين على أنفسهم آلوا إلى الله عز وجل، لم يشكّوا في أنهم على موعد مع عذاب الله ومقته، اعتماداً على ظاهر ما كان يبدو لهم منهم، وتأملاً في أن يأتي حكم الله في حقهم تبعاً لما تهواه وتتمناه نفوسهم.

ولو سئل أصحاب هذه الأماني: أفكنتم على علم بسرائر هؤلاء الناس، وعلى اطلاع بأحوالهم الخاصة في بيوتهم، وفيما بينهم وبين ربهم، فعلمتم أنهم لم يرحلوا من الدنيا إلا مثقلين بالأوزار والعقائد الباطلة، وأيقنتم من ثَمَّ بأن الله عز وجل لم يدّخر لهم عنده إلاّ الخزي والعذاب؟ أقول: لو سئل أصحاب هذه الأماني عن ذلك لتلجلجوا ولخانتهم الإجابة التي يبتغون!...

فيا عجباً لأناس يتألون على الله في حق أنفسهم أنهم المغفورون والمرحومون والمأجورون.. ويتألون على الله في حق أمثال هؤلاء الآخرين أنهم الممقوتون والمحرومون من صفح الله ورحمته، مع العلم بأن آدابنا الإسلامية التي نسجها لنا كتاب الله وسنة رسوله، تأمرنا بعكس ذلك: أن نَوْجَل من مقت الله وعقابه في حق أنفسنا، وأن نفترض العاقبة الحسنة في حق إخواننا الذين لا نعلم شيئاً من سرائرهم ، ولانعلم كيف آلوا إلى الله عز وجل، وكيف كانت عاقبة حياتهم.

 ثم اعلم أن هذه القاعدة ليست خاصة أو محصورة ببداية الحياة ونهايتها، بل هي تشمل بداية أي شيء ونهايته في حياة الإنسان، فمن بدأ عمله الدراسي معتمداً على الله فيما يبذل من جهد، راجعاً إلى الله في معرفة حكم دراسته ومدى موافقتها لشريعته وأحكامه، حالفه التوفيق في النهاية وأثمرت جهوده الغاية التي يسعى إليها.

ومن بدأ مشروعاً تجارياً أو صناعياً مستشهداً فيه بميزان الشريعة مستبيناً مدى مطابقة مشروعه لأحكام الإسلام، ثم سار فيه معتمداً على توفيق الله عز وجلّ، لابدّ أن يحالفه النجح الذي يتحدث عنه ابن عطاء الله في النهايات.

ومن دخل في معترك سياس، مدافعاً عن حق لأمته أو لوطنه أو محافظاً على القيم والمبادئ، راجعاً في ذلك إلى هدي الدين وميزانه، طالباً العون والتوفيق من الله عز وجل، لابدّ أن تكون عاقبة أمره النصر والتوفيق.. إلى آخر الأمثلة المشابهة.

كما يدخل في هذه القاعدة، الأعمال والمشاريع الغامضة التي يقدم أحدنا عليها وهو لايدري أخير هي أم شر، ولا يعلم شيئاً عن النتائج والعواقب التي ستواجهه من ورائها.

والرجوع في مثل هذه الأمور إلى الله عز وجل، يعني أن يستخير الله عز وجل في شأنها، كما كان يفعل رسول الله ، يصلي ركعتين بنية الاستخارة، ثم يدعو الله بالدعاء المعروف والمأثور عن رسول الله في باب صلاة الاستخارة، ثم يباشر الأسباب المشروعة للعمل الذي هو بصدده، متكلاً على الله ومستعيناً بقوته وتوفيقه. فإنه إن كان خيراً في علم الله عز وجل وسابق غيبه، يسّره الله له ونال من ورائه الخير الذي يبتغيه، وإن كان شراً في سابق علمه عز وجل، صرفه الله عنه من حيث يحتسب أو لا يحتسب.

ومن المهم أن تعلم أن نتائج الاستخارة التي علمنا إياها رسول الله لا تتوقف على منام يراه المستخير صاحب المشروع، كما يظن كثير من الناس، وصلاة الاستخارة ودعاؤها، لايتضمنان طلباً أو دعاء من الله عز وجل أن يَرى المستخيرُ في رؤياه ما يشير له إلى مشروعه الذي هو بصدده أينطوي على خير أم شر. وإنما يتضمن كل منهما الدعاء من الله عز وجل، بتيسير هذا الأمر إن كان خيراً وصرفه عنه إن كان شراً.

نعم، الرؤيا الصادقة ـ بقطع النظر عن الاستخارة  ـ جزء من ثلاث وأربعين جزءاً من النبوة كما قال رسول الله (ص) أي إن بوسع  الذي يرى رؤيا أن يستبين تأويلها بواسطة من أوتوا علماً بذلك، على أن يعلم أن في الرؤى والأحلام ما لا تأويل له، وإنما هي انعكاسات وآثار لمشاعر نفسية.

ولعلك قد عرفت الجواب عن سؤال قد يطرحه بعض الناس عرضت له وأجبت عنه في شرح الحكمة السابقة التي جاءت هذه الحكمة تتمة لها. وسؤالهم هو أن المسلم ربما باشر عملاً التزم فيه بأوامر الله وتعليماته، واستعان فيه بالله عز وجل، ومع ذلك لم يحالفه النجح في النهاية.

لعلك تذكر الجواب الذي ينبغي أن أعيده الآن، وهو أن النجاح في العمل الذي يقدم عليه أحدنا، ليس محصوراً في المضيّ في حرفية العم لذاته، بل النجــاح فيه يعني أن يكرم الله صــاحب العمل بالهدف الذي يسعى إليه من ورائه، بقطع النظر عن الوسـيلة التي يسخرها الله له إليه.

كم من متجه إلى مشروع تجاري يقتضيه بعض الأسفار البعيدة أملاً في ربح مالي يحصل عليه ابتغاء تحقيق أهداف محددة له، فحوله الله من ذلك المشروع، إذ أغلق سبيله عليه، ووجهه إلى سبيل آخر كان أقرب إلى الهدف الذي ابتغاه.

وكم من مصرّ على دراسة لعلوم ومعارف معينة أملاً في الحصول على أهداف اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية محددة، فلم يحالفه التوفيق في دراسته على الرغم من تكرار التجربة والحرص عليها، ثم اتضح له أن الدراسة التي ظنها سبيلاً إلى هدفه المرسوم لم تكن لو نجح فيها إلا عائقاً عن ذلك الهدف.

إنها حقيقة معروفة، يعامل الله بها عباده، لدى التجائهم إليه، وتوكلهم الدائم عليه.

ومن صدق مع الله في الاستقامة على أمره والاستعانة الصادقة به، والتوكل الدائم عليه، يعلم هذه المعاملة الكريمة من الله له... وأنا واحد من الذين تفضل الله عليهم، وعاملهم على هذا المنوال، حقق لي رغائبي على أحسن ما قد كنت أتخيلها، بأيسر وأفضل من الوسائل التي كنت قد حصرت نفسي فيها.

وانظر إلى كلمة ((في النهاية)) التي عبر بها ابن عطاء الله في هذه الحكمة، وتأمل فيها، تجد أنها تشير إلى الجواب الذي ذكرته لك.. إن العبرة بعواقب الأمور ونهاياتها ولن تأتي هذه العواقب إلا بما يتفق والقاعدة التي تعبر عنها هذه الحكمة. وتصدق هذه القاعدة، كالتي قبلها في حق كل من الفرد والمجتمع سلباً وإيجاباً.

فاتهم نفسك بالعجز عن إدراك ما يسعدك، ولا تتهم مولاك وخالقك بالإعراض عن حمايتك وتوفيقك، أو بعدم الاستجابة لدعائك في تحقيق رجائك.

المصدر: دار الفكر دمشق للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي