أعتقد أننا لسنا بحاجة إلى الإطالة في شرح هذه الحكمة، إذ هي تتمة، بل تأكيد للتي قبلها.

والمهم أن نعلم أن حسن الخواتيم في كل الأعمال والأعمار، رهن بحسن البدايات، كما سبق أن أوضحنا. والبداية المشرقة هنا، تعني التربية التي ينبغي أن يتلقاها السالك، في صدر حياته، عقيدة يغذي بها عقله، وتزكية يصلح بها نفسه. وإنها لمرحلة تأسيسية ذات أهمية كبرى.

فإن هو أقام هذا الأساس في صدر حياته، ونجح في ترسيخه، غدا سلوكه إلى الله عملاً آلياً، لايرهقه بأي جهد، وأصبح تعامله مع الناس دائراً على محور دائم من مراقبة الله عز وجل، وتلك هي ضمانة الأخلاق الرشيدة، وهل الحياة المشرقة أكثر من هذا، سير على صراط الله في اتباع أحكامه، ومراقبة لله في التعامل مع عباده؟‍!..

وإذا أشرقت حياة الإنسان بهذين الضياءين، ضمن لنفسه بذلك سعادة العاجلة والعقبى. ومن سلك هذا السبيل عرف صدق ما أقول.

ومرة أخرى أقول: إن هذه القاعدة كما تنطبق على الفرد تصدق بالقدر ذاته على المجتمع. إن المجتمع الذي يسمى إسلامياً، لاتشرق في حياته السعادة بكل ما هو معروف من أركانها ومقوماتها إن لم تأسس بدايته على تربية عقلية ونفسية تسري في حياة أفراده طبق منهج رباني يضبطه كتاب الله وهدي رسوله.

ولعلك تقول مرة أخرى: فها هي ذي المجتمتعات الغريبة تتمتع بألوان من النعيم لاحصر لها، ويزدهر فيها التقدم العلمي والحضاري، دون أن تزدهر بدايتها بأيّ إشراق!

وبالإضافة إلى ما قد ذكرته من قبل جواباً عن هذا السؤال أقول: وهل وصلت هذه المجتمعات من سيرها إلى نهاية مشرقة، حتى يرد الإشكال؟

إنها اليوم تغامر وتسير... والمصائب التي تتحملها أكثر وأخطر من المتع التي تتنعم بها. والمستقبل الذي يحمل صورة النهاية، لايبشر فيما يقرره علماء الاجتماع بأي خير.

أنا لاأنكر أن عشرات الآلاف الذين ينتحرون كل عام في أمريكا وأوربا، إنما ينتحرون داخل بيوت فارهة، وضمن نظام تقنيات عالية، وتحت أشعة أنوار ساطعة. ولكني لاأستطيع أن أتذكر رفاهية المنازل وألق النعيم وفنون الترف، وأن أنسى الانتحار.

 المصدر: دار الفكر دمشق للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي