غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غايات شتى، هذه تميل به إلى اليمين وتلك تجذبه إلى الشمال، فهو في صراع دائم داخل نفسه، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة، أيهما يرضى، وهو حائر بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع، أي الأصناف يرضيهم، ويسارع في هواهم، فإن رضا الناس غاية لا تدرك، وهناك حكاية مشهورة معبرة عمّا نحن بصدده وهي حكاية الشيخ وولده وحماره: ركب الشيخ ومشى الولد وراءه، فتعرض الشيخ للوم النساء، وركب الولد ومشى الشيخ ، فتعرض الولد للوم الرجال، وركبا معاً فتعرضا للوم دعاة الرفق بالحيوان، ومشيا معاً والحمار أمامها، فتعرضا لنكت أولاد البلد، واقترح الولد أن يحملا الحمار ليستريحا من لوم اللائمين، فقال له الأب الشيخ: لو فعلنا لتعبنا أنفسنا، ولرمانا الناس بالجنون حيث جعلنا المركوب راكباً. يا بني لا سبيل لإرضاء الناس.

 

إن المؤمن قد استراح من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة عليها يحرص وإليها يسعى، وهي رضوان الله تعالى، لا يلبي معه برضا الناس أو سخطهم، شعاره ما قال الشاعر: 

فليتك تحلو والحياة مريرة

                وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

                وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

               وكل الذي فوق التراب تراب 

كما جعل المؤمن همومه هماً واحداً، وهو سلوك الطريق الموصل لمرضاته تعالى والذي يسأل الله في كل صلاة عدة مرات أن يهديه إليه، ويوفقه لسلوكه:" إهدنا الصراط المستقيم" الفاتحة 6. وهو طريق واحد لا عوج فيه ولا التواء " وإنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.." الأنعام 153. هذا هو الفرق بين المؤمن وغيره فالمؤمن عرف الغاية، وعرف الطريق إليها، فاطمأن واستراح، والآخر يمشي إلى غير غاية، و لا يدري إلام المسير؟ ولا أين المصير؟ قال تعالى: " أفمن يمشى مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم". الملك22.

إن هذا الفرق هو الذي أنشأ جيلاً من البشر لم يُعرف لهم مثيل فلينظر مثلاً إلى خبيب بن زيد وقد صلبه المشركون وأحاطوا به يظهرون الشماتة فيه، يحسبون أنه ستنهار أعصابه، أو تضطرب نفسه، ولكنه نظر إليهم في يقين ساخر، وأنشد يقول: 

ولست أبالي حين أقتل مسلماً

              على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله، وإن يشأ

               يبارك على أوصال شلو ممزع 

إن الرجل من الصحابة ومن تبعهم بإحسان كان يخوض عباب المعركة، بهذا الفرق والموت يبرق ويرعد، وهو يقول: "... وعجلت إليك ربي لترضى" طه 84. إن هذا الفرق هو الذي جعل أحدهم وقد نفذ الرمح في صدره حتى وصل إلى ظهره يقول فزت ورب الكعبة. في غزوة الأحزاب ابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالاً شديداً إذ جاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنون، وكشف المنافقون النقاب، فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا.

في هذا الجو الرهيب كان موقف المؤمنين هو موقف السكينة والطمأنينة للغاية الواحدة التي ارتضوها لأنفسهم، قال تعالى في كتابه:" ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً" الأحزاب 22. ما الذي وهب هؤلاء المجاهدين السكينة، والقتال مستعر الأوار؟ ومنحهم الطمأنينة والموت فاغر فاه؟ إنه الإيمان وحده إنه ثبات الغاية – غاية إرضاء الله – والفوز بجنته. وصدق الله في قوله:" هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، ولله جنود السموات والأرض، وكان الله عليماً حكيماً" الفتح 4. ".. قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكرالله ألا بذكر الله تطمئن القلوب" الرعد 27 -28.

لقد عرف المؤمن الغاية فاستراح إليها، وعرف الطريق فاطمأن به. إنه طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. إنه "الصراط المستقيم".. الذي يهدي إليه محمد صلى الله عليه وسلم.".. وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض" الشورى 52- 53. وبهذا الصراط المستقيم، كان المؤمن في أخلاقه وسلوكه مطمئناً غير قلق، ثابتاً غير متقلب، واضحاً غير متردد مستقيماً غير متعرج، بسيطاً غير معقد، لا يحيره تناقض الاتجاهات، ولا يعذبه تنازع الرغبات، ولا يحطم شخصيته الصراع الداخلي في نفسه، أيفعل أم يترك؟ أيفعل هذا أم ذاك؟

إن المؤمن له مبادىء واضحة ومعايير ثابتة، يرجع إليه في كل عمل وكل تصرف، فتعطيه الإشارة، وتفتح له طريقاً فيتقدم، أو تضىء له النور الأحمر فيتوقف، قال تعالى:" ... قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم" المائدة 15- 16. إن الإيمان الصادق شىء رائع، والمؤمن الصادق هو الذي عرف لهذا الإيمان حقه، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا. وحطم الأصنام كلها من قلبه، ولم يرض غير الله رباً، ولم يتخذ غير الله ولياً، ولم يبتغص غير الله حكماً، واتضحت لبصيرته الوجهة، واستقام أمامها الطريق، بلا أي لبس أو غموض، وقال تعالى:" قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شىء ..." الأنعام 161 - 164.

وبهذا الاتجاه الواضح انحلت العقد في نفس المؤمن وفي حياته، ونجا مما وقع في شركه غيره ممن بعثرته النوازع والمتناقضات فاللهم لك الحمد على الإيمان! وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عمرو خالد لأسرتي بتاريخ يناير 2005