كل الناس إلا من رحم الله يقع في هذا السبب... فمثلاً: تجلس في بيتها تشاهد التليفزيون طول النهار، ويأتي الزوج المسكين من عمله بعد عناء ومشقة طوال اليوم ويسأل في شوق أين الغذاء فيتغير لونها... وتكذب وتقول إني مريضة... وآخر لم يستذكر دروسه فرسب في الأمتحان وهوالآن في طريقه للبيت يقدم رجلا ويؤخر أخرى إلى أن يأتيه المنقذ... فيسأله والده.. فتكون الأجابة قد تفوقت من الأوائل! وبعد ثلاث سنوات يفاجأ الأب، أريت كيف أن هذا السبب قد أوقع صاحبه في شر أشد منه فسوف تنكشف إن آجلا أو عاجلا وفي الأثر تحروا الصدق وإن رأيتم الهلكة فيه فإن فيه النجاة فوالله إن الصدق فيه النجاة فإياك من هذا السبب.

 يقول العلماء قولا بليغا يحتاج لتدبر. يقولون - لو وضع الصدق على جرح لبرىء – فلو أنك أخطات وكذبت كذبة وجرحت منها نفسك فضع عليها مرهم الصدق فسيبرأ جرحك إن شاء الله. ملحوظة: أحيانا يؤلم مرهم العلاج فأرجوك أن تتحمل وستبرأ إن شاء الله.


الفاروق يعلمنا

كلمة جميلة... تهيأ لها: يقول عمر بن الخطاب: لئن يضعني الصدق - وقلما يضع - أحب إلي من أن يرفعني الكذب وقلما يرفع أريت هذه الكلمة (وقلما) أما يكفيك أن يرفعك الصدق أمام الله فأيهما تحب: أن يرفع شأنك عند الله... أم عند الناس؟


ستقرأ الآن كلمات تقوي الإرداة وتلهب العزيمة وتزيد الحماسة وستشعر بنشوة الانتصار.. يقول عمر بن عبد العزيز: والله ما كذبت كذبة منذ عملت إن الكذب يشين بأهله. والله إنا نعلم أن الكذب يشين بأهله ولكن أين عمر بن عبد العزيز؟! الآن.. كلنا عمر.. ألست معي في ذلك ويقول الجنيد كلاما يخرج من القلب، وسيصل إن شاء الله إلى القلب يقول: حقيقة الصدق: أن تصدق في وضع لا ينجيك فيه إلا الكذب.


هل وصلت إلى قلبك اقرأها مرة ثانية.. إن تحقيقها صعب ولكن الحمد لله بعد أن أصبحت عمريا صارت سهلة من هو الإنسان الذي تخاف أن يغضب عليك؟ أبوك؟ أمك ؟زوجك؟ زوجتك؟ من يا ترى أكثر؟ من تخاف أن يغضب عليك؟ إنها قصة حدثت في عهد النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك، خرج مع النبي صلي الله عليه وسلم ثلاثون ألفا من الصحابة وكانت هذه الغزوة في شهر أغسطس، وكان الحر شديداً وكانت المسافة بعيدة حوالي ألف كليو متر، فبدأ المنافقون يعتذرون ويتخلفون ولكن كان هناك ثلاثة من الصحابة الصادقين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم منهم الصحابي الذي يروي هذه القصة وهو سيدنا كعب بن مالك: ضع نفسك مكان كعب بن مالك في كل الأحداث القادمة وقل لي ماذا ستفعل!


يقول سيدنا كعب: خرج النبي صلي الله عليه وسلم وخرج الجيش وأنا سألحقهم غدا.. حتي أصبح من المستحيل أن ألحق بهم فمشيت في طرقات المدينة فلم أجد إلا منافقاً معلوم النفاق ومريضا قعيداً فلما قفل النبي صلي الله عليه وسلم عائدا حضرني بثي (أي شدة الحزن أعلى درجات الحزن) فقلت لنفسي: ماذا أقول للنبي صلي الله عليه وسلم كيف أخرج من سخطه غدا؟ فطفقت أتذكر الكذب (سبحان الله وكأن كعب بن مالك يصف ماذا يحدث لك فعلاً.. فهذا الذي يحدث لك حينما تخطيء)، وأصبحت نفسي تحدثني بالكذب فلما عاد رسول الله صلي الله عليه وسلم انزاح عني الباطل فأجمعت صدقه فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فجلس فبدأ المنافقون يدخلون عليه، سامحني يل رسول الله أعذرني يا رسول الله، ويحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم ويقبل النبي صلى الله عليه وسلم علانيتهم ويستغفر لهم ويبايعهم ويجدد لهم البيعة ويترك سرائرهم إلى الله تعالى، فيخرجون وهم في منتهى السعادة وجاء دوري: تذكر الأن أنك كعب بن مالك الذي تخلف عن الجهاد وترك النبي صلى الله عليه وسلم فماذا ستقول له فتبسم تبسم الغضبان وقال لي: تعال ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك - أما اشتريت جملا - فقلت يا رسول الله والله لو جلست عند غيرك من ملوك الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر لقد أوتيت جدلاً، ولكن يا رسول الله لئن حدثتك حديثا اليوم حديثا ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد فيه علي إني أرجو من الله عقبى ووالله ما كان لي عذر فقال النبي صلي الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق، قم حتى يقضى الله فيك، هل تستطيع أن تفعل ما فعله كعب مع أبيك... أمك.. مديرك؟

 

الأستاذ عمرو خالد بجريدة الميدان بتاريخ 1/1/2004