هل جرب أحدكم أن يدعو إلى الله؟ إنني دعوتكم جميعاً لخوض هذه التجربة وأداء هذا الفرض، فالدعوة إلى الله هي أشرف الأعمال قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت الآية 23)، ولذا اصطفى الله لها خيرة البشر، قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (الحج الآية 75) كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (أل عمران: 34 – 33)
إن الإسلام جعل للدعوة إلى الله ثواباً لا يطاولها فيه غيرها من الأعمال، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.."

 

الدعوة إلى الله فريضة لها أشكال متعددة، منها مالا يجهله القاصي والداني كخطب الجمعة والدروس المسجدية، والمؤتمرات، والندوات، وغير ذلك من الأشكال الجماعية، ومنها ما يحتاج إلى لفت النظر والانتباه، لخصوصيته ولقيمته المتفردة!

 

فالدعوة التي تتم بين اثنين داعية ومدعو ستظل هي الدعوة الأعم أثرا على كل المستويات! لم؟ لأن هذا الشكل من أشكال الدعوة يُحْدِث صلة ورابطة خاصة بين الداعية والمدعو، إنها تُنْشِئ بينهما علاقة دافئة قائمة على الحب والاحترام، والاحتواء، فالمدعو يشعر فيها بعاطفة إرادة الخير له من الداعية. وتتاح له فرصة (الفضفضة) والتواصل النفسي معه زيادة على ما يمثله له الداعية من نموذج تجسدت فيه التعاليم النظرية إلى واقع معاش (هكذا نرجو)، الأمر الذي يدفعه إلى مزيد من الثقة في دينه، وفي قدرته على تغيير الناس إلى الأفضل.

 

النموذج العملي للداعية يجعل المدعو يتبنى الإسلام جملة وتفصيلاً ويزداد اعتزازه به وبهذا الانتماء، إن هذه العلاقة الثنائية تتيح الفرصة للمدعو أن يستفسر عن كل ما يعني له بدون حرج، وأن يتفاعل مع كل إجابة يسمعها من أخيه الداعية عن طريق الحوار والنقاش المستمرين، وبالحوار والنقاش المستمرين تزال كل الشوائب، أو الشبهات التي تعتري فهمه للإسلام والتي تعوقه عن العمل له على بينة، ولأهمية هذه العلاقة الثنائية وأثرها الذي بينت أحب أن أسلط عليها الضوء – موضحاً بعض آدابها ومراحلها وأساليبها.


يا ترى كيف تبدأ هذه العلاقة؟ إنها تبدأ كغيرها من العلاقات الإنسانية – بالتعارف! قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات: 31) وإذا كانت دعوة التعارف هذه عامة – لكل الناس، فهي لهذه العلاقة الثنائية أخص وأوجب، إذ لا يتصور أن يدعو إنسان إنساناً لا يعرفه، كما أنه من غير المتصور أن يستجيب إنسان لآخر لا يعرفه، إن إزالة الجفاء بين الداعية والمدعو لابد أن يتم أولاً، فقد روى أبو سلمى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من الجفاء أن يدخل الرجل منزل أخيه فيقدم إليه شيئاً فلا يأكله، والرجل يصحب الرجل في الطريق فلا يسأله عن اسمه واسم أبيه".

 

إن هذا السؤال لا يصنف على أنه تدخل فيما لا يعني، بل هو نوع من أنواع التواصل النفسي بين أفراد المجتمع يدعو إليه الإسلام ويحبذه، وكلما زاد هذا التعارف عمقاً، كلما كاد الداعية على بصيرة في دعوته للمدعو، لأنه بالتعارف يتحول المدعو إلى كتاب مفتوح سهل القراءة، وبدونه لا يكون إلا طلسما صعب الفهم والحل!  والتعارف العميق الذي أقصده هو التعارف الاجتماعي الواسع الذي يشمل بجانب الاسم، الدراسة أو العمل، الهوايات، التطلعات وغير ذلك مما يدخل في نفس الإطار إن هذا ما تعلمناه ممن كانت لنا فيه الأسوة الحسنة، صلى الله عليه وسلم: فقد جاء البراء بن معرور وكعب بن مالك إلى مكة يسألان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيا رجلاً من أهل مكة فسألاه فقال: هل تعرفانه؟ قالا: لا، قال: فهل تعرفان العباس عمه، قالا، نعم قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس فدخلا المسجد، فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه فسلما ثم جلسا إليهما.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل..؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك.. فقال: صلى الله عليه وسلم: (الشاعر!)

 

إن هذه التفاصيل وهذا البعد في التعارف هو الذي يجعل لهذه العلاقة الثنائية خصوصية قائمة على الدفء والود، وهما الأساس الذي بدونه لن يكون هناك تواصل ولا دعوة، هذه البداية مطلوبة ولا غناء عنها، إنها من البصيرة التي لابد أن تقوم عليها دعوة الآخرين إلى الله، قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108). وهي من عين الحكمة التي أمر الله بها في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125) والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وللحديث بقية في الأسبوع القادم.

 

أ. عمرو خالد اليقظة بتاريخ 7يوليو 2004