المتحرش: قد يكون المتحرش من النوع السادي الذي لا يستمتع بالعلاقات الجنسية العادية وإنما يسعده أن يأخذ ما يريده من الطرف الآخر بقدر من العنف والإجبار والقهر، أو يكون من النوع الاستعرائي الذي يجد متعته فى استعراض أعضائه التناسلية أمام الضحية ويستمتع بنظرة الدهشة والاستغراب والخوف على وجه من يراه وكثير منهم تحدث له النشوة ويقذف لمجرد حدوث هذه الأشياء.

 

وهناك النوع التحككي الذي يجد متعته فى الالتصاق بالضحية فى الزحام والتحكك بها حتى يصل إلى حالة النشوة والقذف.

أما النوع الهستيري فيغلب وجوده فى النساء حيث تتحرش المرأة الهستيرية بالإغواء والإغراء للرجل الضحية لفظيا وجسديا حتى إذا تحرك نحوها صرخت واستغاثت بمن حولها لإنقاذها من هذا الحيوان الذي يريد اغتصابها، والشخصية الهستيرية تفتقد للثقة بنفسها لذلك تسعى للإغواء والإيقاع بالضحية لكي تطمئن على قدرتها على ذلك ثم تتعمد توسيع الدائرة لكي يعلم عدد من الناس كم هى مرغوبة ومطلوبة وكم هى جذابة لدرجة تخرج الناس عن طورهم.

كل النماذج السابقة تعتبر نماذج مرضية مضطربة، والتحرش لا يقتصر على تلك النماذج بل يمكن أن يحدث من أشخاص عاديين فى ظروف تشجعهم على ذلك، وهذا ما نسميه "التحرش العرضي" أو " التحرش الموقفي "، بمعنى أنه سلوك عارض فى حياة الشخص أو سلوك ارتبط بموقف معين وليس بالضرورة أن يتكرر، على عكس التحرش المرضى الذي سبق وفصلناه ففيه الفرصة للتكرار لأن وراءه دوافع متجددة تدفع الشخص للتورط فيه من آن لآخر. وكون التحرش مدفوع باضطرابات مرضية لا يعفى صاحبه من المسئولية كما قد يظن البعض أو يتخوف، وإنما ربما يفسر لنا ما يحدث وينبهنا لإمكانية تكرار حدوثه، وربما فقط يخفف العقوبة فى بعض الظروف.

المتحرش بها: قد يكون التحرش بها عرضيا أو موقفيا بمعنى أنه يحدث فى ظروف معينة وأنها لا تقوم بسلوكيات مقصودة أو غير مقصودة تدفع لتكرار التحرش. أما القابلية لحدوث التحرش وتكراره فتكون أكثر فى الشخصيات الهستيرية والتي تقوم بالإغواء كما ذكرنا لتثبت لنفسها أولا وللآخرين ثانيا أنها جذابة ومرغوبة وهى لذلك تحرص على التشهير بمن تحرش بها على الرغم من أنها لعبت دورا أساسيا فى حدوث التحرش فهي جانية ومجني عليها فى ذات الوقت، وهذه الشخصيات لديها تاريخ طويل فى تحرش الناس بها فتحكى أن والدها قد تحرش بها وكذلك أخيها الأكبر وزميلها فى المدرسة ومدرسها الخصوصي والطبيب الذي يعالجها ورئيسها فى العمل، وكأن الرجال كلهم يتحرشون بها لفرط جمالها وجاذبيتها على الرغم من أن الشخصية الهستيرية تعانى فى داخلها من البرود العاطفي والجنسي لذلك تحاول أن تعوض ذلك بسلوك إغوائي.

وهناك الشخصية السيكوباتية التى تدفع الآخرين للتحرش بها بهدف ابتزازهم وتحقيق مصالح معينة من هذا الابتزاز، وقد يحدث هذا فى مجالات السياسة أو مجالات الجاسوسية أو فى وسط رجال الأعمال.

أما الشخصية الماسوشية فهي تستمتع بالإهانة والإذلال والعنف الذي يمارسه المتحرش ضدها فلديها إحساس عميق بالذنب والانحطاط وانعدام القيمة وأنها جديرة بالقهر والإذلال والامتهان وهى تشعر بالراحة حين يمارس ضدها أي عنف جنسي أو جسدي، وهى لا تميل إلى الشكوى أو التشهير بالمتحرش (كما تفعل الشخصية الهستيرية) وإنما تكتفي بما تحصل عليه من إهانة وقهر وإذلال.

الاحتياجات: وضع عالم النفس الشهير إبراهام ماسلو ما يسمى بهرم الاحتياجات فوضع فى قاعدته الاحتياجات الأساسية (أو البيولوجية) وهى الطعام والشراب والمسكن والجنس، ويعلوها الاحتياج للأمن ويعلوه الاحتياج للحب، ويعلوه الاحتياج للتقدير الاجتماعي، ويعلوه الاحتياج لتحقيق الذات، ويعلوه الاحتياجات الروحية. فإذا فقد الإنسان أحد هذه الاحتياجات أو بعضها أو أغلبها فإنه يسعى لإشباعها من نفس نوع الاحتياج إن وجد أو من احتياج آخر أعلى أو أدنى حسب ما يتاح له. فمثلا إذا فقد الإنسان الحب أو فقد التقدير الاجتماعي أو فقد القدرة على تحقيق ذاته،أو فقد القدرة على التواصل الروحي فإنه ربما يلجأ إلى التحرش أو الانغماس فى الجنس أو القمار أو المخدرات فى محاولة منه لسد فجوة الاحتياج المفقود. وقياسا على هذا نستطيع القول بأن الشباب الذين قاموا بالتحرش الجماعي فى وسط القاهرة كانوا يفتقدون ربما الإحساس بالكرامة أو الإحساس بالقيمة أو الإحساس بالحب أو الإحساس بالأمان أو فقدوا القدرة على الإشباع الجنسي بطريق شرعي فانطلقوا يعوضون هذه الاحتياجات المفقودة من خلال التحرش.

الدوافع والضوابط:

تميز الإنسان الطبيعي بحالة من التوازن بين الدوافع والضوابط، وهذا ما يجعله يتمكن من السيطرة على دوافعه بناءا على الاعتبارات الدينية والأخلاقية والاجتماعية. وضوابط الإنسان ليست كلها داخلية متمثلة فى الضمير الشخصي، ولكن هناك الضابط الاجتماعي المتمثل فى ضغط الأعراف والتقاليد، وهناك الضابط القانوني الذي يمثل نوعا من الردع خاصة لأولئك الذين لم يردعهم الضمير ولم تردعهم الأعراف والتقاليد الاجتماعية. وإذا ضعف أي من هذه الضوابط أو ضعفت كلها، أو طغت الدوافع فإننا نتوقع خروج الرغبات (العدوانية والجنسية) فجة ومتحدية ومهددة للسلام الاجتماعي.

الآثار النفسية للتحرش الجنسي:

هناك آثار سريعة تظهر مباشرة أثناء حالة التحرش وتستمر بعدها لعدة أيام أو أسابيع وتتلخص فى حالة من الخوف والقلق وفقد الثقة بالذات وبالآخرين وشعور بالغضب من الآخرين وأحيانًا شعور بالذنب. والشعور بالذنب هنا يأتي من كون المرأة حين تتعرض للتحرش كثيرا ما تتوجه لنفسها باللوم وأحيانا الاتهام، ولسان حالها يقول لها: "ماذا فعلت لكي يفكر هذا الشخص فى التحرش بك؟".... "يبدو أن فيك شيئا شجع هذا الشخص على أن يفعل ما فعل".... "يبدو أنك فعلا سيئة الخلق وعديمة الكرامة"..... "لماذا طمع فيك أنت بالذات؟؟"..... "إنه يظن أنني من أولئك النساء الساقطات".... "هل يكون قد سمع عنى شيئا شجعه على ذلك؟؟؟".

وهناك آثار تظهر على المدى الطويل وتتمثل فيما نسميه بكرب ما بعد الصدمة خاصة إذا كان التحرش كان قد تم فى ظروف أحاطها قدر كبير من الخوف والتهديد للشرف أو للكرامة أو لحياة الضحية وسلامتها، وهنا تتكون ذاكرة مرضية تستدعى الحدث فى أحلام اليقظة أو فى المنام وكأنه يتكرر مرات كثيرة كما يحدث اضطراب نفسي وفسيولوجي عند مواجهة أي شيء يذكر الضحية بالحدث، ويتم تفادى أي شيء له علاقة بالحدث، ويؤدى ذلك إلى حالة دائمة من الخوف والانكماش والتردد وسرعة التأثر.

كما أن الضحية تفقد قدرتها على الاقتراب الآمن من رجل، وإذا تزوجت فإنها تخشى العلاقة الحميمة مع زوجها لأنها تثير لديها مشاعر متناقضة ومؤلمة.

طرق التحرش الجنسي

- لفظية:

واللفظ هنا يختلف عن ألفاظ الغزل الرقيقة والمتوددة، فهو يميل إلى الفجاجة والصراحة الجارحة، ويميل إلى الدلالات الجنسية، وأحيانا يستخدم المتحرّش ألفاظًا سوقية يعبر بها عن أطماعه فى الضحية، وأحيانًا أخرى تأخذ معنى المراودة بما تتضمنه من إغواء وإغراء وإثارة.

- جسدية:

وجسدية هنا تتضمن النظرة الفاحصة المتفحصة، أو الإيماءة الفاضحة الجارحة، أو استعراض بعض أعضاء الجسم وخاصة الأعضاء التناسلية، أو أخذ أوضاع معينة ذات دلالات جنسية، أو اللمس أو التحكك أو الضغط، أو محاولة الإمساك بالضحية أو ضمها أو تقبيلها عنوة.

بيئة التحرش:

يبدو أن الظروف الحياتية الحالية تمثل ما يمكن أن نطلق عليه " بيئة محرضة على التحرش " ونذكر منها ما يلي :

1-     الازدحام:

فحين تتقارب الأجساد إلى درجة الالتصاق فى البيت والشارع والمواصلات والمدارس والجامعات والنوادي والشواطئ وفى كل مكان فإن هذا يشكل أرضية مهيجة ومنشطة لدوافع التحرش لدى المهيئين لذلك، وربما لدى غيرهم لممارسة التحرش. وهناك لدى علماء الاجتماع ما يسمى بالمساحة الحضارية وهى المساحة التى يتحرك الفرد فيها داخل المجتمع، ومن المعروف أنه كلما تقلصت هذه المساحة الحضارية كلما كثرت الاحتكاكات والمشكلات في التعامل بين الناس وزادت الميول العدوانية.

2-     اقتراب الجنسين في كل مكان:

فنظرًا لخروج الفتيات والنساء للدراسة والعمل فقد أصبح الحضور الأنثوي والاقتراب الأنثوي أحد مظاهر الحياة الحالية، وفى غياب الإشباع الكافي لاحتياجات الجنسين وغياب القيم الأخلاقية والدينية، تندفع النفوس المحرومة والمنفلتة تخطف ما ليس من حقها متعللة بالحرمان أو القرب.

3-     العشوائيات:

وهى بيئة تجمع بين الازدحام والفقر والحرمان والتلوث البيئي والأخلاقي، ولذلك فهي بيئة نموذجية لتصدير كل الأمراض والتشوهات الأخلاقية والاجتماعية إلى بقية قطاعات المجتمع وطبقاته.

4-     انتشار المسكرات والمخدرات:

وهى تساعد الشخص على إخماد قوى الضبط النفسي والأخلاقي، وبالتالي تحدث لديه حالة من الانفلات وحالة من غيبوبة الضمير.

 

موقع الأسرة السعيدة