لم تكن هجرة سيدنا ونبينا مُحمد - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة المنورة جُبناً أو فِراراً، بل كانت انتقالاً من دار صَعِبُ فيها نشر الدعوة إلى دار وُضِعَ فيها أساس الدولة الإسلامية العظيمة التي قادت البشرية إلى حضارة إنسانية خالدة، فتألفت قلوب الأوس والخزرج وتآخى المُهاجرون مع الأنصار، فصارت الهجرة فُرقانًا بين الحق والباطل وكَثُرَ المؤمنون بعد قِلة واجتمعوا بعد شتات، وكان من توفيق الله تعالى أن اختار سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الهجرة لتكون مبدأ لتاريخ المُسلمين لأنها تمثل التحول في تاريخ الإسلام بل في تاريخ العالم أجمع، فلا غرو أن اتخذ المسلمون من هذه الهجرة مبدأ للتاريخ دون سواها من الأيام والأحداث.

والمؤرخون يقسمون سيرة الدعوة الإسلامية إلى مرحلتين مُتميزتين العهد المكي الذي يمثل مرحلة الدعوة والعهد المدني الذي مثل مرحلة الدولة ولكن بعضهم رأى أن هناك مرحلة انتقالية بين هاتين المرحلتين تمثل مرحلة الثورة لأنها نقلت الدعوة الإسلامية نقلة هائلة سريعة من مؤجلة كان هدفها تربية الفرد المسلم إلى مرحلة أصبح هدفها تكوين المُجتمع المسلم، ومن دعوة كانت مُجرد عقيدة وفكرة إلى دعوة أصبحت شريعة ودولة، ومن حركة محدودة الآثار إلى حركة عالمية الأهداف.

هذه الحادثة الفارقة في تاريخ الإسلام نوضحها للأجيال الجديدة من الشباب في السطور التالية:

بداية لقد كانت هجرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ثورة عقائدية بكل ما تحمله هذه العبارة من معان إيجابية لأنها غيرت أحوال المُسلمين تغييراً جذرياً فنقلتهم من الضعف إلى القوة ومن القلة إلى الكثرة ومن الانحصار إلى الانتشار ومن الاندحار إلى الانتصار ولم تقف آثارها عند هذا الحد بل كانت ثورة على كل ما يُخالف شريعة السماء وفطرة الإنسان السليمة، فشملت آثارها النواحي العقائدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وإن ارتبطت ذِكراها في أذهان المسلمين كل عام بشهر الله المحرم إلا أنها لم تقع في هذا الشهر وإنما كانت في أواخر شهر صفر أو أوائل شهر ربيع الأول على أرجح الآراء.
هجرته - صلى الله عليه وسلم - كانت حداً فاصلاً بين عهدين، العهد المكي الذي عاش فيه المُسلمون مُستضعفين ومُستهدفين لكل ألوان العذاب والأذى والعهد المدني الذي تمت فيه قوة المُسلمين ونعموا فيه بالاستقرار والعزة والانتصار حيث انطلقت كتائب الحق المناضلة متجهة إلى غايتها وأهدافها لتحقيق العز التليد والمجد الوطيد فدخل الناس في دين الله أفواجاً.

وبالتأكيد كانت هناك أسباب دفعت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الهجرة من مكة إلى المدينة، وهذه الأسباب تتركز في مجموعها في حرص النبي على سلامة سير الدعوة الإسلامية نحو القلوب المُغلقة ومن تلك الأسباب تصاعد العذاب من قبل الكفار تجاه المؤمنين المستضعفين حيث تعرض النبي نفسه والمؤمنون الأوائل إلى صنوف من ألوان العذاب الذي تقشعر منه الأبدان مثل ما لقيه الصحابي الجليل بلال بن رباح وياسر وسمية وابنهما عمار وغيرهم كثيرون بل وصل الأمر بهم إلى التآمر عليه - صلى الله عليه وسلم - ليلة الهجرة لقتله أو حبسه في اجتماعهم في دار الندوة ولكن الله نجى نبيه وتمت الهجرة وزاد عدد المسلمين ازدياداً كبيراً بعد الهجرة وتخلص المؤمنين من هذا العذاب.

والحصار الاقتصادي من قِبل الكفار تجاه المسلمين وبني هاشم كان سبباً آخراً من أسباب الهجرة فعندما عجزت قريش عن إيقاف توسع الدعوة الإسلامية قررت القيام بعمل حصار اقتصادي كامل تجاه المسلمين وبني هاشم حيث قام كفارها بإعداد صحيفة تحث على المقاطعة وقاموا بتعليقها في جوف الكعبة وترتب عليها آثار سيئة تجاه المسلمين وبني هاشم حتى كادوا يأكلون أوراق الشجر من شدة الجوع فلقد كانت حائلاً بينهم وبين الاتصال بالعرب في غير المواسم الدينية القليلة مما ضيق عليهم إمكانية نشر الدعوة الإسلامية.

وهناك سبب هام جداً لهجرة النبي ألا وهو وفاة المؤيدين له حيث منّ الله عز وجل على النبي بمؤيدين له من أهله يخففون من آلامه ويدافعون عنه ويمنعون أذى الكفار من أن يصيبه وهما خديجة بنت خويلد زوج النبي حيث وقفت إلى جانبه بمالها وجاهها ونصبت من نفسها مواسيًا لجراحه وآلامه، وعمه أبو طالب الذي وقف أيضاً بجانب النبي على كفره في جميع المواقف يدافع عنه ويحميه وينتصر له وهو من هو في مكانته ومقامه من قريش.

أما وقد ماتا متتابعين في عام واحد وألحق ذلك الحزن العميق في نفس النبي بفقدهما الأمر الذي يستوجب معه ضرورة الهجرة إلى مكان آخر يجد فيه قوماً آخرين يدافعون عنه ويؤمنون به.

إن الهجرة لم تكن عملاً مُرتجلاً كتلك الأعمال التي يثيرها الفزع والجزع ويدفع عليها الخوف من الموت أو الحرص على الحياة وإنما كانت نتيجة تدبير سابق لينتقل بالرسالة الإسلامية من مرحلة الدعوة إلى مرحلة الدولة وهذا هو أول أهداف الهجرة، كما كان من أهداف المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من هجرته إيجاد موطئ قدم للدعوة لكي تنعم بالأمن والاستقرار حتى تستطيع أن تبني نفسها من الداخل وتنطلق لتحقيق أهدافها في الخارج ولقد كان هذا الهدف أملاً يراود رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال ذات مرة لأصحابه: (رأيتُ في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب ظني إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب...) زيادة الجامع الصغير للإمام السيوطي.

إن علينا أن نعتبر بمعاني الهجرة ونأخذ منها الدروس والعظات؛ ففي الهجرة مفارقة للوطن والأهل والديار والأموال وفي هذا ثبات المؤمن على عقيدة الحق وصبر وعزم وتضحية جعل الله فيها الثواب الجزيل، فيروي سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) رواه البخاري ومسلم.

هجرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يجب أن تعلم الدُعاة تحمل الصعاب في الدعوة إلى الله وألا نفقد الأمل في نصر الله واستجابته للدعاء وأن نأخذ بالأسباب ولا نتكاسل أو نتقاعس عن العمل.

فتلك الهجرة هي عمل قام به النبي ليعطينا إشارة إلى أن الداعية إلى الله ينبغي عليه الأخذ بالأسباب، فلا يجلس في بيته ويقول إن الله لن يهدي هؤلاء المُلحدين مثلاً! بل يحاول بكل طريقة ويتبع كل أسلوب حتى تصل كلمة الله إلى غير المسلمين.، فينبغي علينا أن نعلم أن الله هو الذي أراد لنا هذه الظروف وأن الخير بانتظارنا وأنه علينا أن ننجح في الاختبار ونثق بالله ووعده ولقائه وقدرته على كشف الضر عنّا كما فعل رسولنا الكريم في هجرته الشريفة.

فما أحوج المسلمين اليوم إلى هجرة إلى الله ورسوله... هجرة إلى الله بالتمسك بحبله المتين وتحكيم شرعه القويم، وهجرة إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - باتباع سنته والاقتداء بسيرته فإن فعلنا ذلك فقد بدأنا السير في الطريق الصحيح وبدأنا نأخذ بأسباب النصر وما النصر إلا من عند الله.