كلمة التوحيد هى الكلمة الفارقة بين الإيمان والكفر ، وبين أهل السعادة وأهل الشقاء، وهى الأساس الذى تبنى عليه كل الأعمال الصالحة مصداقا لقوله تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) الفرقان آية 23، وفى مقابل ذلك نجد أن الله تبارك وتعالى وعدنا ووعده حق حين قال : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء آية 48، وذلك لأنه سبحانه وتعالى وصف الشرك بقوله : ( إن الشرك لظلم عظيم ) لقمان آية 13 .

وهذا ما أكده رسولنا الكريم :حين قال : "الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفرهالله وظلم لا يترك الله منه شيئا، فأما الظلم الذى لا يغفره الله الشرك، وأماالظلم الذى يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذىلا يترك الله منه شيئا ظلم العباد بعضهم لبعض  رواه الشيخان، وإذا ما تساءلنالماذا لا يغفر الله الشرك ؟ تكون الإجابة أنه لو غفر الشرك بتعدد الآلهة وما يصاحبهمن تأثير سيئ على نفسية البشر لتضاربت الأوامر والتكاليف مع بعضها البعض، فمنرحمته (أنه لا اله إلا هو ) تلك الرحمة آلتي تجلت في غفرانه جميع الذنوب جليلتاودقيقها ما دمنا لا نشرك به ولماذا لا يترك الله شيئا من ظلم العباد بعضهم بعضا ؟لأنه عادل ولو سمح بظلم العباد بعضهم لبعض لفسدت الأرض ولعدل الناس عن عبادتهم إياه، فاحترام الله لحقوق العباد وتجاوزه عن الحقوق التى بينهم وبينه، يعد فى حد ذاته علاء من شأن إنسانية الإنسان والسمو بها وهذا فى حد ذاته يريح النفوس وخاصة من شعرأنه ظلم، فلا يأس ولا حزن ما دام الله يقف فى صف المظلوم ، وتتجلى رحمة اللهوعفوه ومغفرته فى الكثير من الآيات التى تضئ طريق التوبة أمام العصاة وتطمئن نفوسهمإلى أن الله واسع المغفرة والعفو ..

ويحضرنا فىهذا المقام قصة قاتل حمزة عم النبي :حين جاءه وقال له يا رسول الله أشركت باللهوقتلت النفس التى حرم الله وزنيت هل لي من توبة ؟ فنزلت الآية : ( الذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ، إلا من تاب وأمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ) الفرقان آية 68إلى 70 .. فقال : أرى شرطا : لعلى ممن لا يشاء فنزلت الآية " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفورالرحيم " الزمر 53 فقال نعم : الآن لا أرى شرطا فأسلم وهكذا نجد أن الإسلام يراعى الحالة النفسية التى اعترى العصاة ودائما يذكرهم الله بعفوه ومغفرته حتى تطمئن نفوسهم بل إن من آداب الإسلام وتعاليمه السامية التى تحافظ على نفسية الخاطئين إن العبد إذا أخطأ ثم اعترف بخطئه وتاب فلا نواجه اللوم له ولا نذكره بخطيئته حتى لايدب اليأس فى نفسه وتتحطم نفسيته ألم يقل الله عز وجل " واللذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تاب وأصلحا فأعرضوا عنهما، إن الله كان توابا رحيما " النساء 16 فإذا غفر الخالق ألا يغفر المخلوق ؟ وقد ورد عن رسول الله : فيما معناه انه قال من قدم اعتذارا لأخيه أو تأسف له ولم يقبل أسفه لم يرد على حوض الرسول في الجنة وهكذا نجد أن ديننا الحنيف يراعى الجوانب النفسية للبشر ويعمل على إراحتها وإرضائها، وعود على بدء، نود أن نشير إلى أن كلمة لا اله إلا الله ليست كلمة تطلق باللسان فقط ولكنها اعتقاد قلبي وتصديق جازم بأنه لا اله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ، وكفى بعبوديتنا لله عزا فالنفس طالما فى طاعة الله فهى عزيزة مطمئنة لأنه من رحمته أن جعلنا جميعا عبيدا له يتساوى فى هذا الغنى والفقير والقوى والضعيف، وهذا فى حد ذاته شكل من أشكال الاطمئنان النفسى حيث تجد النفس كمال عزتها فى طاعة الله وذلها فى معصية الله دون اعتبار للمنصب أو الجاه غير ذلك من الأشياء الدنيوية ، وبذلك تتعرف النفس على قدرها من خلال حصر شامل يومى لكل ما تقوم به من أعمال وفرائض ،فطاعتنا لله يقابلها رضاه عنا أو كما قال الحسن البصرى " نحن فى نعمة لو علمها الملوك لحسدونا عليها ولقاتلونا عليها بالسيوف ،ألا برضا الله وطاعته بإخلاص فى كل الأعمال .


وهكذا فإن العبد إذا قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه ضمن الجنة شريطـه أن ينعكس  ذلك على سلوكياته من خلال التعرف على أسماء الله وصفاته ، فإذا علم العبد أن منصفاته أنه " رزاق "إلى الله ولا يخاف من قوله الحق لومة لائم ، بل يأخذ بأسباب الرزق فى الحياة المعيشية ويتوكل على الله بقلبه وليعلم تماما أنه إذا انقطعت الأسباب ، فإذا عاش العبد فى معية الله هدأت نفسه واطمأنت بتوكلها على الله فلا يطلب الرزق إلا من عند الله ، لا يتكل إلا على الله ، لا يعتصم إلا بالله ودائما يفوض أمره وهذا فى حد ذاته يعصم العبد من الوقوع فى براثن الحيرة والتردد فى اتخاذ القرار وخوف المغامرة ، والخوف من المستقبل، والخوف من الفقر وانقطاع أغوار لفوبيا أو المخاوف النفسية وفى وجود هذه المخاوف والتوترات يغيب عن العبد طمأنينة النفس التى يجدها فى قوله تعالى " ورزقكم من السماء وما توعدون " الذاريات 22 . والنفس إذاعلمت أن من أسماء الله وصفاته أنه " قادر وحليم " أي فى مقدوره أن يأخذنا بذنوبنا ويعاقبنا إلا أنه "حليم " لا يعجل لنا العقوبة فى الدنيا، هدأت النفس استيقظت من غفلتها لتراجع حساباتها ومدى تقصيرها فى أداء الفرائض عندئذ تنمو لديها قدرات نفسية هائلة تدفعها إلى الأعمال الصالحة طالما أن باب التوبة مفتوح وأن الحليم لم يجعل لها العقوبة بل أن الله من صفاته أنه " يحولبين المرء وقلبه" والنفس بطبيعتها دائما تتمنى أشياء كثيرة وتريد أن يجعل الله لها ما تريد ( زواج ، تجارة ،سفر ...) إلا أن الله يعلم أن فى قضاء هذه الحاجة هلاك العبد أو فساد دينه فينظر الله لملائكته ويقول يا ملائكتى إن يسرت له حاجته أدخلته النار ، اصرفوا هذا عن عبدى ، في جعل الله فشل هذا الأمر الذى يريده العبد على يد شخص يسعى  لإفساد هذا الأمر ربما بكلمة، فيظل العبد يتطير ويتشاءم ويقول لولا فلان لتم هذا لأمر وليس السبب فى هذا وذاك ولكنه فضل من الله ، وهكذا إذا تعرف العبد على معنى هذا الدعاء لطابت نفسه وهدأت واطمأنت إلى قدر الله ولعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها وما أخطأها لم يكن ليصيبها ، وهكذا تجد النفس طمأنينتها وراحتها فى معية الله ومع كلمة التوحيد .