التدفق الشعوري..الطريق إلى قمة الأداء
د. ياسر عبدالكريم بكار

(التدفق Flow): هي حالة من نسيان الذات والغرق في عمل يملك كل إنتباه المرء وحواسه حتى يكاد لا يشعر بالعالم الخارجي من حوله، وتدعمه تدفق من العواطف الإيجابية مليئة بالطاقة والحيوية تعمل جميعها على صرف انتباهه تجاه العمل الذي يقوم به.
يكتنف الإنسان في هذه اللحظات شعور بتوقف الزمن، وإحساس داخلي بالبهجة، وقدرة خارقة على التركيز والمهارة في الأداء، وتحول الصعب إلى أمر يسير. ويغيب عنه الإهتمام بالكيفية التي يُؤدي بها العمل أو التفكير في النجاح أو الفشل لأن مشاعر السرور والبهجة بالعمل نفسه هي فقط التي تحركه وتحفزه. واسمع كيف تصفها إحدى لاعبات رياضة التزلج:

لا أتذكر شيئاً من تلك اللحظة، إلا أنني كنت مغمورة بشعور من الإسترخاء، شعرت وكأنني شلال يتدفق.
يعيش مثل هذه الحالة الكتّات عند تناول أعقد القضايا، والعلماء أثناء قيامهم بتجربة ملهمة، والرياضيون في أحلك المنافسات، والفنانون أثناء قيامهم بعمل مبدع، والخطباء في أصعب المواقف وغيرهم.
ذكر أحد الكتّاب أن جراحاً أصابته الدهشة عندما وجد أن جزءاً من التركيبات في غرفة العمليات قد تهدم دون أن يشعر، حين كان يقوم بإحدى العمليات الجراحية المعقدة، وكان يعيش حالة التدفق الشعوري والتي منعته من الإنتباه إلى ذلك أثناء العملية.


أحد أهم العلماء الذين انشغلوا بدراسة (التدفق الشعوري) هو عالم النفس ميهالي شيكسنتميهاي. درس هذا العالم ظاهرة التدفق ووصل إلى أن الدخول فيها يحتاج إلى المتطلبات الآتية:
* حب العمل الذي ستقدم عليه، والشعور بالبهجة العارمة والحماس المتقد أثناء القيام به. إذ لا يمكن أن تصل إلى مرحلة التدفق الشعوري أثناء أداء عمل لا تحبه ولا تعشقه. فالبداية إذن في خلق الإهتمام، والرغبة الجامعة في أداء العمل، والإستمتاع به. وسيساعدك في ذلك أن تسأل نفسك: ما هو العمل الذي تود أن تجد نفسك منغمساً فيه وتتمنى أن لا ينتهي؟
في دراسة لـ (200) من الرسامين بعد 18 سنة من تخرجهم من كلية الفنون تقرر أن الفنانين الذي تذوقوا واستمتعوا ببهجة الرسم ذاتها هم الذين أصبحوا فيما بعد رسامين جادين لهم ووزنهم. أما هؤلاء الذين كان دافعهم في الإلتحاق بكلية الفنون، تحقيق الشهرة والثروة فقد انسحب معظمهم من مجال الفن بعد تخرجهم. ولذا تنتهي الدراسة إلى أن: (يجب أن يكون هدف الرسامين هو الرسم ولا شيء آخر).


* تركيز الإنتباه الحاد على العمل الجاري وفي اللحظة الحالية وليس على الماضي (أخطاء) أو على المستقبل (مكاسب). فالتركيز العالي هو جوهر التدفق. وهذه الخطوة تتطلب قدراً من الجهد، لكن ما إن يصل المرء إلى مرحلة التدفق حتى تنطلق قوة دفع ذاتية تؤدي إلى القيام بالعمل بكل هدوء ودون جهد عصبي يذكر.
كيف نصل إلى التركيز الحاد؟ يمكن أن نتعلم ذلك من كبار الرياضيين. فقبل أن تبدأ أي مباراة أو منافسة يخلو الرياضي بنفسه، ويقوم بتمرين التنفس العميق حيث يوجه تركيزه على عضلات بطنه وهي تقوم بإدخال الهواء وإخراجه، والتأكد من جريان الأوكسجين في كل عضلة. بعد الإسترخاء وإستجماع التركيز، يبدأ بممارسة تمرين التصور البصري حيث يبدأ في تصور المهارات والحركات والتكتيكات التي يتوجب عليه القيام بها أثناء اللعبة. كما يصوب تركيزه نحو الهدف (كرة التنس أو مرمى كرة السلة أو العمود الذي يجب أن يجتازه بالقفز.. إلخ) ويبعد أي مؤثر قد يشتت ذهنه.


* الشعور بالتحدي: فالأعمال السهلة تبعث فينا الملل، والأعمال شديدة الصعوبة أو التي نجهل كيف تؤدي تسبب لنا القلق والإرتباك. بينما الأعمال التي تتجاوز حدود قدرتنا وتشكل تحديا معقولاً قد تكون هي الأنسب كعامل مساعد للوصول إلى حالة التدفق. ولذا يُنصح بتقسيم المشروعات الضخمة إلى أعمال جزئية صغيرة تساعد على قوة التركيز وبالتالي الوصول إلى مرحلة التدفق وقمة الأداء.
في الختام، بعد قراءتي لأدبيات هذه المهارة سألت نفسي: كم نعيش هذا الشعور خلال اليوم؟. هل يمكن أن نعيد التفكير في الأعمال الروتينية التي نقوم بها كل يوم (العمل الوظيفي، الدراسة الجامعية، الصلوات الخمس،..) ونحولها إلى أعمال تُؤدي ونحن في حالة التدفق الشعوري؟ أمر يستحق التجربة..!


المصدر: كتاب القرار في يديك

بلاغ.كوم