لقد خلقنا بأذنين وفم واحد لحكمة بالغة وهي أن ننصت أكثر مما نتكلم، فلا نرى مثلاً أنه لدينا فمان وأذن واحدة لنتكلم ضعف ما ننصت بل العكس، وهذا الموضوع للأسف ينخر بمجتمعنا أنه يسعى أن يتكلم ولا يسعى لأن ينصت، وهذا سر من أسرار الكاريزما أن تكون ممن ينصتون.

أي نوع من الأشخاص نحب؟

فهل تحبّ الشخص الذي يقاطع باستمرار؟ ويستأثر بالحديث لنفسه، ودائماً ما يرد قبل أن يفهم؟

فأنت تحبّ الشخص النقيض والمعاكس له تماماً، ومن ينصت لا يخسر شيئاً من إنصاته أبداً بل يكسب الكثير من الصداقات وهي طريقة مضمونة لجعل الآخرين يكنون لك قدراً من الاحترام والهيبة، فالأُسد تُخشى وهي صامتة ولعمري فالكلب لا يخشى وهو نبّاح، والإنصات يضفي عليك قدراً من الهيبة والمكانة.

وإضافة لذلك كما قال أحد الحكماء فإنك إذا تكلمت فأنت تعرف ما تتكلم عنه بجميع الحالات ولن تستفيد أمراً، أما إن أنصت فإنك تعرف ما تعرف، وستعرف ما يعرف الآخر بإنصاتك له، وبذلك يزيد وعيك وإدراكك لوجهات النظر المختلفة غير وجهة نظرك.

ما هو الفرق بين إنصات السيرة الذاتية وإنصات التقمص العاطفي؟

فقد ذكر ستيفن كوفي بأنّ الغالبية من الناس لا ينصتون بهدف الإنصات بل ينصتون بهدف الرد كما عرفها بإنصات السيرة الذاتية، فما أن ينتهي الآخر من كلامه حتى تبدأ بعرض سيرتك الذاتية.

أما الإنصات الذي يحقق لك نقاطاً في علاقاتك مع الآخرين فهو إنصات التقمص العاطفي، الذي يعتبر لبنة للتعاطف مع مشاكل الآخرين واستشعار ما يحدث لهم بعين مختلفة ومكان مختلف، بالذهاب إلى موقعهم والوقوف على أطلال تلالهم المحاطة بإدراكهم، فإنصاتك بالتقمص العاطفي لا يعني أنك تقر بمشاكلهم، أو أن تتحمل أعباءها، وتحل لهم هذه المشاكل، بل يعني فقط أن تعطي هذا الجانب الإنساني من كونك إنساناً، فكل إنسان يستطيع أن يشعر بالراحة عندما يفضفض عما يحمل على كتفيه من هموم، فما بالك بمن يشعر به ويتعاطف معه بإنصات التقمص العاطفي.

ما الفرق بين الإنصات والاستماع؟

لا شكّ أنك في العديد من الأحيان كنت جالس تستمع للآخر وبعد ذلك سألك سؤالاً فتبين أنك لم تكن تنصت إليه، ولكن ما الفرق بينهما؟

فالاستماع هو أن تكون كالمسمار، ولا تنبس ببنت شفة، بل فقط هو أن تتوقف عن الكلام مع سرحانك في أشياء أخرى، وهذا ليس الإنصات المطلوب.
أما الإنصات المطلوب فيتطلب منك بذل مجهود، وعمل أشياء لتحصل على الفهم والإدراك، فمثلاً تسأله عن الأمور التي لم تفهمها، وتنظر إليه بعينيه وتومئ له إيماءات الاهتمام والإنصات وعدم الإهمال، ثم ببعض الكلمات التي تنطقها له، مثل: نعم، صحيح، وماذا فعلت بعد ذلك؟، وماذا حصل عندها؟، نعم فهمت، أتفق معك …

ولا شيء يجرح أكثر من أن يتجاهلك أحدهم وأنت في أوج حديثك، فإن الإنصات يعتبر إطراء ومجاملة بحد ذاته، فمن يقود الحديث والحوار تجده بالفعل هو ممن ينصت أكثر، ومن يتكلم بفصاحة وكلام بليغ ومعبر وكلام ساحر يصل للقلوب تجده من المنصتين بلا شك. فالإنصات يتطلب منك بذل مجهود إلا أنه يعطي لك ثمار حسنة في العلاقات، فالمنصتون مرغوبون في كل الأوقات.

قصة زوج يشتكي من عدم إنصات زوجته إليه:

شكى أحد الأزواج من زوجته بأنها لا تنصت إليه، فذهب للطبيب ليخبره عن حالتها المضطربة، فأشار له الطبيب أن يعود للمنزل ويبدأ بالمناداة عليها من بعد 50 متراً فإن لم تسمعه فليقترب حتى 40 متراً ويكرر العملية هكذا حتى يعرف مدى استماع زوجته، فقام بالوصفة الطبية وبدأ بمسافة 50 متراً فنادى ماذا طبخت أيها الزوجة على الغداء؟ فلم ترد عليه الزوجة، واقترب أكثر لمدى 40 متراً فلم ترد، وهكذا حتى تلاصق بها وسألها ماذا طبخت على الغداء؟ فردت عليه، لقد أخبرتك للمرة الخامسة بأنني طبخت الدجاج مع الأرز، ألم يعرف هذا الرجل بأنه هو من كان لا يسمع، فبدلاً من إلقاء اللوم على الآخرين في موضوع الإنصات، لنتحمل مسؤولية الإنصات، ولنبدأ من أقرب الناس لنا، بدعوتهم وسؤالهم بغرض أن يفضفضوا لنا، لا بغرض أن نحكم عليهم أو نرد بسرعة.

اقرأ أيضاً: فن التواصل الإيجابي الفعال

 

ماقاله (ألكسندر ماكلارين) حول الإنصات:

فإذا كنت ترغب في الفوز بالعالم بأسره، فاصهره، ولا تطرقه كما قال (ألكسندر ماكلارين)، فلا تستخدم أبداً مطرقة لإبعاد ذبابة عن رأس شخص آخر بل استعمل قفازاً لطيفاً، فكما يقول جون مكسويل في كتابه الفوز مع الناس بأنه درب نفسه على أنه عندما يسأله أحدهم فلا يطرقه بالإجابات فوراً بل ينصت أولاً، ثم يطرح الأسئلة، ثم ينصت مرة أخرى، ثم يطرح مزيداً من الأسئلة، ثم ينصت مرة ثالثة، ثم يرد.

فن الحوار الحقيقي:

ففن الحوار الحقيقي ليس في أن تقول الشيء المناسب في المكان المناسب. ولكن أيضاً ألا تقول الشيء غير المناسب في اللحظة التي تشعر فيها بإغراء قوله كما قال ليدي نيفل.

فلتكن لديك أذني فيل، لتحل مشاكل الأطفال وتحل مشاكل التربية بشكل كبير، فكثير من الأطفال عندما سئلوا عن أهم شيء يريدونه من الآباء، فكانت الإجابة بلا استثناء أنهم كانوا يريدون أذناً صاغية، وكلما أنصتت لأولادك في الصغر أنصتوا لك في الكبر عندما تريد شخصاً تتحدث إليه.

فنحن خلقنا بأذنين لنفهم كما قال ستيفن كوفي قبل أن نُفهم، فاسع للفهم أولاً لتزيد من فاعليتك بالعلاقات، وكبر أذنيك ليصيرا كآذان الفيلة! فنحن لنا أذنين لننصت وفم واحد فقط لنتكلم، فأنصت ضعف ما تتكلم.


المقالات المرتبطة