كان المطر يهطل كأفواه النوافير، ولكنه ككل مطر سرعان ما انقطع، وصحا الجو، وشعت الشمس فوق الحقول، وغاصت السحب القاتمة الدكناء، باتجاه الشرق، ومن هناك بداء يدوي هزيم الرعد . وتعالى من جميع الأرجاء خرير الماء، وانحدرت الجداول من التلال باتجاه الأسفل . 
أما في وادي البلدة حيث كان ينساب في السابق ماء ساقية رفيعة كالخيط فقد أخذت تصطخب ألان مياه نهر كامل، عكر، عريض، رهيب، وهرع أهل البلدة وقد وضعوا الكوفية على رؤوسهم أو اعتمروا بكيس ما، وهم حفاة لجمع حاجياتهم، أو لفتح منفذ لتصريف المياه المجتمعة، أو للتجمهر عند بطن الوادي لمشاهدة هذه المياه، وتحت الأشجار اكتست الأرض بالأغصان التي طوحت بها العاصفة.

كان أبو زيدان عند باب المقهى ينظر خارجها، ولاحت في الأسفل عربة يجرها حصان أشهب معقود الذيل، وقد بلله المطر، فبدأ ظامر رشيق، ووقف في مقدمة العربة رجل ذو شاربين أسودين، ممتلئ الجسم وقصير القامة، ولما اقترب عرفه أبو زيدان، انه مرشد، وهو شخص يعمل منذ زمن قريب حوذيا ينقل الحمولات على عربته بالكراء ويمكن للمرء أن يلتقي به في الطرقات حتى في اسواء الأوقات. وكان المطر قد غسل مرشد على نحو جيد أيضا، فتهدل شارباه، ولمع وجهه الأسمر، ولما وصل المقهى أوقف العربة وأرخى سير الجواد، ونزع عنه الأعنة، وقدم له بعض التبن.
وبعد ذلك ألقى نظرة على سيل الماء المتنامي في الوادي ودخل المقهى، واستقبله أبو زيدان بقوله:
_ مرشد، إلى أين تنطلق في مثل هذا الطقس؟
_ إلى أخر البلدة
_ ولكن كيف ستجتاز الجسر، لقد غمرت المياه الجسر عند منطقة البِركِة، انك ستغرق هناك.
فرد مرشد باقتضاب:
_أعطني كاست شاي على كيفك .
ونزع الشماغ ( الحطة ) والعقال عن رأسه، وعصر الشماغ ثم وضعهما مجددا على هامته، وكان عابس الوجه يبدو وكأنه غاضب لأمر ما، وقال وهو يرشف كاسته:
_ هل سأغرق؟ يا له من شأن خطير، إن العالم لن ينتهي إذا ما مات شخص بائس من أمثالي. ألم تسمع يا أبو زيدان، بقصة ذلك الفلاح، فعندما جاء الشتاء وهبت الرياح الزمهرير التفت الفلاح نحوها وصاح :
_ أنت أيتها الريح، هل ستصبحين غنية إذا ما أخذت روح فلاح ؟
وهذه هي حالتي أنا أيضا، لاسيما الآن وقد إسود كل شيء أمام ناظري.
وفطن أبو زيدان إلى أن مرشد قد بات بدون عمل منذ أكثر ثلاثة أعوام، وله أسرة فوق ذلك، ولا يستطيع بعمله الحالي أكثر من إعالة نفسه، ولا شك أن هذا هو مصدر تعاسته.
فقال له :
_ ألم تتمكن يا مرشد من العثور على وظيفة. فعلى الأقل إنك تحمل شهادة جامعية، إعتقد بأنك مهندس، مما يؤهلك أن تحصل على وظيفة ما، هل الدنيا انقطعت الآن .
_ أعطني كاست شاي بالنعناع ... أجل، هناك مثل هذه الوظيفة كما تقول، ولكن توجه لتحصل عليها، وسوف ترى الكثيرين أمثالك، ثم أن أحدهم وهو من طينتنا مستور الحال، مزهو بنفسه، مر قبل مدة من الزمن قرب بيتنا، وكنت وقتها في الإسطبل أتدبر أمر الحصان، فسمعني وأنا أصرخ بالحصان، فقال عني : أنه إنسان شرير لقد سمعته كيف يعنف جواده، فشعرت بالخوف منه .
_ أقال أنك شخص شرير لمجرد صراخك بالحصان ؟
_ بلى، ولكنك إذا لم تنهر الدابة فأنها سوف ترفسك أو أنها ستعضك . ومع ذلك ما حيلتي، إذا كان الله قد وهبني صوتا كهذا، إذا ما عمدت إلى التحدث بهدوء كحالي الآن وسمعني أحدهم قال أنني أتشاجر وأخاصم.
دعك من الوظائف والناس يا صاح ... هات، صب لي كاست شاي أخرى .
ولبث مرشد صامتا برهة ثم قال :
_ من حسن الحظ أن العجوز ما زالت بخير، والدنيا يبدو فيها الخير، فهناك من الأصدقاء ما زال صديق ؟ وهناك مثل مفاده نياله اللي عنده أُم . إنها الوحيدة التي تعتني وتفكر فيك كذلك يمكن أن تعتني بأطفالك، ولولاها لن يعرف أحد كيف سأتدبر شؤوني.
ومكث أيضا بعض الوقت دخن خلاله سيجارة، كان قد طلبها مني واجترع كاست شاي كبيرة ثم نهض، وحاول أبو زيدان ثنيه عن عزمه :
_ انتظر إلى أن يمر سيل الماء... لا يمكنك العبور .
فرد مرشد مشيرا إلى جواده:
_ هل ترى هذا التنين، انه ينطلق إلى حيث تدفعه، وأنا لا أهاب شيئا.
ودب فيه فيض من الحماسة وزاح حطته وعقاله إلى الخلف، وهو لم يكذب حين قال انه لا يخشى أي شيء، إذ صعد إلى العربة وأصلح شاربيه الطويلين وهز لجام حصانه.
ونظرا لمجيء السيل انقطع الاتصال بشطر البلدة من الطرف الآخر، ولهذا لم يقصد مقهى أبو زيدان هذا المساء، سوى عدد قليل من الناس، وبعد رحيلهم فكر أبو زيدان انه لن يطرق بابه آخرون، ولذا تصفح دفتر سجله، واستعد للإغلاق . وفي هذه اللحظة بالذات توقفت عربة في الخارج ولم يند عنها سوى صرير خافت نظرا لكثرة الوحول، فقال أبو زيدان لغلامه .
_ انظر من القادم !
واطل الغلام برأسه من الباب وأجاب :
_ هناك شاب ينزل من العربة .
ورفع أبو زيدان رأسه، وظهر على عتبة الباب شاب وسيم، ولاح من ورائه شاربا مرشد الكبيرين ووجهه الأسمر، وسمع صوته يقول قبل أن يدلف إلى الداخل :
_ مساء الخير يا أبو زيدان ! فرد هذا عليه وهو ينقل نظراته بينه وبين الشاب :
_ انك لم تستطيع العبور أليس كذلك ؟
_ لقد اجتزت المكان عند البِركِة، ولكنني واجهت سيلاً أكبر . إنني سوف أحدثك عن ذلك بعدئذ . أما الآن فأنظر يا أبو زيدان، ألا ترى أن البلل قد أصاب الشاب . لا بد وان لديكم نارا، فدعه يصطلي، ونظر الشاب في خوف، لقد كانت ثيابه تقطر ماء، ورفع بصره في فزع نحو أبو زيدان، انه فتى شديد القوام، ينم وجهه عن عز ووسامة، ولكنه ذو عينين عسليتين صغيرتين، أما عمره على الأكثر لا يتجاوز السادسة عشرة عاما .
وقال أبو زيدان :
_ من هو ؟
_ سأقول لك ... أنها.. كوميديا مكتملة. ناولني فنجان قهوة مُرَة ! حينما انطلقت من هنا إجتزت السيل عند البركة دون أن اشعر، ولما وصلت إلى وادي السكنة هالني ما رأيت، ويبدو أن المطر هناك كان أغزر لان ماء السيل غدا كالبحر أو كأنه نهر النيل، واحترت فيما أصنع، ورحت أتسائل : ما العمل ؟
وأوقفت العربة لاستجماع أفكاري، وعدا ذلك فقد حل الغسق، وهبط الظلام، وانشقت إحدى السحب ولمع وميض البرق . وصرت أرى الماء من جهتي، أما الطرف الآخر فلم يعد يرى... ورشف من فنجان القهوة بصوت مسموع حاد !
_ وماذا حدث بعدئذ ؟
_ احترت في أمري، ونظرت في أحد الأوقات فشاهدت جانبا، أنسانا مقبلا بمحاذاة الماء، كان فتىى، فرُحت أراقبه : لقد تابع سيره بمحاذاة الماء ثم توقف، وبعدئذ بان عليه العزم، وكأنه ينوي الإلقاء بنفسه، وارتد من جديد، وندت عنه همهمة كمهر صغير . لقد كان يبكي، فقلت لنفسي: وراء الأكمة ما وراؤها هات فنجان قهوة آخر.
_ ولكن كيف ... أو لم تقع عينيه عليك ؟
_ كلا، أنه لم يفطن إلى وجودي حتى ذلك الحين، ولكنه عندما رأني انقلب على عقبيه وأنفلت هاربا، فصحت به : قف ! بيد انه واصل عدوه، ولكنني ما أن صرخت به بصوتي الجهوري مرة أخرى : " قف " حتى تسمر في مكانه، وحتى لا اشتط كثيرا في الحديث، أخذته وعدت به بالعربة .
_ ومن هو هذا الفتى، ألم تسأل عنه ؟
_ أنه من طينتنا يا أبو زيدان، كان يشتغل مع والده في المدينة، في شركتهم التجارية كما قال، وذكر لي انه يتعذب كثيرا، وأنا أقول لك الحق : وهل من السهل أن تنهي دراستك المتوسطة، وأن لا تكمل مسيرتك التعليمية ؟ فهو يريد أن يكمل تعليمه، ووالده يريده أن يعمل معه في الشركة، ضاربا له الكثير من الأمثلة عن الشباب الجامعي، والعاطل عن العمل، ولذا وصل به الآمر إلى حد أنه انطلق هاربا في أحد الأيام إلى حيث تقوده رجلاه .
_ هرب ؟
_ في نفس اليوم، قبل هطول المطر ولما اجتاز وادي السكنة فاجأه المطر .
_ وعما كان يبحث عند السيل ؟
لوح مرشد بيده وأجاب :
_ وما الذي يبحث عنه أنسان يائس يا أبو زيدان.
- وهل كان ينوي إغراق نفسه ؟
- المهم أنني ثنيته عن عزمه عندما حدثته ونحن في الطريق. ولقد كلمته طويلا، وقال لي انه كاد أن يقوم بحماقة، وانه لن يفكر ألبته في مثل هذا الآمر، وانخرط في البكاء، وكما تعلم فان البكاء يخفف ما في النفس، صب لي كاسة شاي ثقيلة.
فسأله أبو زيدان :
- وماذا تنوي صنعه الآن، إلى أين ستمضي به؟
- إلى البيت طبعا، وسأدعوه يرتاح يوما أو يومين، وقد أخبرني أين يعيش، ولذا سأقوده من ثم إلى داره، وانفرج الباب الصغير في أقصى المقهى ودخل الغلام حاملا شيئا للأكل، فقال مرشد:
- ماذا يا وليد، ألم تعُد تشعر بالبرد ؟
ابتسم الفتى، فقد تحسنت حاله، وفارق الشحوب محياه، وتفتحت أساريره قليلا، كما زال خمول عينيه .
_ اجلس لتناول شيء من الطعام، إن أبو زيدان إنسان طيب، وقد قرر أن يقرينا، اجلس أنت يا أبو زيدان، ألن تجلس لنأكل سوية ؟
فرد أبو زيدان :
_ تفضلوا، كلوا أنتم.
_ جئنا إذن بإبريق الشاي، وجلسا بجانب بعضهما، ولم يبتسم مرشد، وأنما بدا جَهم المنظر، رزينا، كيسا، مفرط العناية، سارح الفكر بالمفارقة العجيبة بينهما، فهو الحاصل على أعلى درجات العلم، ولا يجد كيف يكرسها عمليا، وهذا الذي يتوفر له العمل، ويريد إكمال تحصيله العلمي .
_ تناول من هذه السندويشات يا وليد، وكل إنك متعب، لابد من الغذاء، وبعدئذ سوف نمضي .
_ ولكن السيل ؟ كيف سنعبر النهر ؟
_ نحن لن نتجه صوب الماء، فطريقنا يمر من الجهة الأخرى، عبر الهضبة .
وبعد أن انتهيا من الطعام أخذ الشاب يستعد لصعود العربة، وفي هذا الوقت فك مرشد دبوس جيب بنطاله وأخرج محفظته ودفع الحساب، وخرج أبو زيدان لوداعهما، وأمسك مرشد بالأعنة و بسوطه، ولم تمض لحظة إلا وأصبح النور المنبعث من باب المقهى ورائهما، وبعد ذلك غاصت العربة في الظلام، وغاب صريرها بين الوحول، ومن الجانبين التمعت في الحلكة صفحة ماء السيل وكان ما يزال واسعا، وتناهى من الوسط حيث يمر الجدول صوت تلاطم الأمواج، ولكن الماء ظل ساكنا، رقيقا عند الأطراف يعكس السماء ونور بعض النجوم، وقد خيم الظلام على البلدة، أما أبو زيدان أغلق المقهى، وذهب إلى البيت .
وبعد مضي شهر وبعض الشهر جاء مرشد على غير انتظار في أحد الأيام إلى مقهى أبو زيدان، وبدا جليا من النظرة الأولى أنه قد تغير، إذ أصبح أكثر مرحاً، ورشاقة أيضاً، وكان قد عقف شارباه، في الطرفين إلى الأعلى، وأفتر ثغره عن ابتسامة، وأقبل أبو زيدان يسأله :
_ أين ضاعت أخبارك يا مرشد ؟ ما الذي جرى لذلك الفتى ؟ وأين هو الآن ؟
_ عند أهله في البيت، وأين يمكن أن يكون.
وضحك مرشد واستطرد يقول، وقد رأى أبو زيدان يتأمله بدهشه :
_ لماذا تحدجني بنظراتك، أنت تذكر المطر الغزير أليس كذلك ؟ ياله من مطر طيب، أنظر أي محاصيل تم جمعها هذا العام . وأنا البائس، شاهدت الخير فيه أيضا .
_ ماذا، أنت... هل حققت أمنيتك في الوظيفة التي طالما تنتظر ؟
_ لا باس،لا بأس، لقد كانت ... لماذا تتفرس في ؟ في تلك الأمسية، ألم أخبرك، أنني اصطحبته إلى بيتنا، فقد فكرت في مكوثه عندنا يوم أو يومين للراحة، حسنا . ولكنني أتصلت بأهله، ورويت لهم الحكاية .
_ وبعدئذ ؟
_ حضر والداه، وأخذاه، وطلب مني والده حضوري الضروري لطرفه، وبعد يومين، لوحت بالسوط فوق الجياد وتوجهت إلى مدينتهم، وعند اجتماعي بوالد الشاب، والذي بدوره كان قد بين لوالده أحوالي والمفارقة بيننا، ومع حضوري قدم لي والده سائر الأوراق اللازمة لعقد عمل، وكان قد حفزه أمرين في ذلك، الأول، إنقاذي وارشادي لابنه، والثاني، وهو ما شده الطريقة التي اكتسب منها ما يعيلني على الرغم من درجتي العلمية، فعدت وأحضرت أوراقي الثبوتية، وحصلت على الوظيفة وانتهى الأمر، لكم حمل ذلك المطر من خير وتوفيق، ومن حسن حظ عائلتي أنهم يروا بي، رب أسرة كباقي البشر، يصحو مبكرا، ويأتي مساء من عمله، جئني بكاسة شاي دبل بالنعناع هذه المرة .
فقال أبو زيدان ضاحكا :
_ لقد كنت في السابق تشرب كاست الشاي الصغيرة وبسرعة وتسجل على الحساب، فأصبحت تفضل الدبل مع النعناع الآن .
_ أنه الحال يا أبو زيدان، ويقولون أن الحظ يلعب دورا في حياتنا، ما رأيك؟
أبتسم مرشد وفتل بأصابعه شاربيه الطويلين، ولم يطل مكوثه في المقهى ولم يشرب غير كاسة الشاي هذه . وخرج، وأخرج السوط من جيب بنطاله ولوح به،فضحك أبوزيدان مرة أخرى .