دخل إلى مكتبي منذ عدة سنوات أحد المديرين التنفيذيين وهوى بنفسه على الكرسي المقابل لي وقال وقد بدى القلق واضحاً عليه: "لقد بذلت كلَّ ما في وسعي لأُسعِد الموظفين. إنَّنا ندفع رواتب مجزية، ولدينا نظام تعويضاتٍ عادل، ونتعامل بمرونةٍ مع الموظَّفين فيما يتعلق بساعات عملهم وعلى الرغم من ذلك لا يزال ثمة بينهم عداوةٌ ومشاحنات. لا أفهم لماذا يتصرف هؤلاء الأشخاص بهذه الطريقة".

لقد كانت الإجابة بسيطةً ومعقدة في الوقت نفسه، فالأمر يتعلق بعواطف الموظفين، بعاطفةٍ واحدة على وجه التحديد ألا وهي الحسد. تُعَدُّ العواطف إحدى الأدوات الفعالة في تحفيز السلوك، وربَّما يُعَدُّ الحسد، تلك العاطفة سيئة الذكر، إحدى العواطف الأكثر انتشاراً وتأثيراً من بين جميع العواطف المُدمِّرة الأخرى التي تؤثر في بيئات منظماتنا. وعلى الرغم من أنَّنا لسنا معتادين على الحديث عن الحسد ضمن المجتمعات المهذبة في أماكن عملنا، إلَّا أنَّ الحسد يُعَدُّ جزءً لا يتجزَّأ من نسيج منظماتنا كما أنَّه يؤثر في مزاج الموظفين، وفي معنويات المنظمة وثقافتها، وهو في النهاية أحد أسباب عزوف الموظفين عن المشاركة وافتقارهم إلى الإنتاجية.

ثمَّة العديد من الأسباب التي تؤدي إلى ظهور الحسد بشكلٍ يوميٍّ في أماكن العمل كالتنافس على الموارد النادرة، والميزانيات المحدودة، والمهمات الثمينة، والطبيعة البشرية الضعيفة التي تدفع الموظَّفين للطمع بالصفات والخصال التي يتمتع بها زملائهم ويفتقرون هم إليها، بالإضافة إلى خسارة إحدى الترقيات لصالح شخصٍ مؤهَّلٍ بشكلٍ أفضل. تُحدث معظم هذه الحالات بشكلٍ طبيعي من دون أن يكون ثمة إمكانيةٌ لتجنُّبها فهي جزءٌ من سيناريوهات عملنا ولا بدَّ أنَّ العديد من ممارسي الموارد البشرية قد شهدوا في وقتٍ من الأوقات ظهور هذه الحالات.

ولكن ثمة من بين أسباب ظهور الحسد سببٌ يغفل عنه الكثيرون والذي هو بدوره قد يكون سبباً من حيث لا ندري في حدوث هذا القدر من الاضطراب والشعور بعدم الرضى في العمل. إنَّه السلوك اللاواعي للقادة تجاه الأشخاص المُميَّزين في المنظمة. ولنأخذ مثالاً على ذلك:

لن يجانبنا الصواب إذا ما قلنا أنَّ لدى العديد من المنظمات ذاك الشخص الذي يحظى بقدرٍ كبير من القوة على الصعيد الشخصي والتي لا تكون مُرتبطةً غالباً بأيِّ منصبٍ، أو وظيفةٍ، أو لقب بل التي تتأتى من كونه "بئر أسرار المدير". حيث يشعر جميع الموظفين، ربما ما عدا أولئك القادمين الجدد غير المحظوظين، أنَّ أيَّة كلمةٍ تصل إلى مسامع هذا الشخص ستجد طريقها إلى المدير، لا بل والأدهى من ذلك هو الخوف من أن ينقل ما يسمعه مُؤوَّلاً وفقاً لأهوائه الشخصية ومصالحه. من الطبيعي بالتالي أن يتسبب ذلك بشعور الآخرين بالحسد تجاه القوة التي يتمتع بها هذا الشخص وتجاه المكانة التي يحظى بها لدى المدير، وأن يؤدي ذلك إلى سواد مناخٍ ملؤه القلق وانعدام الثقة تجاه ذلك الشخص وبالنتيجة تجاه القائد.

ومن بين السيناريوهات الشائعة الأخرى ما يرتبط بتوظيف أشخاصٍ جدد من ذوي الإمكانات العالية، وإليك ما يحدث عندئذٍ:

يعمل القائد الذي ينضم إلى المنظمة مع عددٍ من الموظفين القديمين. وقد يوظَّف هذا القائد لاحقاً أشخاصاً إضافيين يُنظَر إليهم غالباً على أنَّهم أكثر قرباً من القائد لأنَّه هو من اختارهم ولأنَّهم أكثر تماشياً مع مبادئه وأسلوبه. ومن المألوف سماع القائد نفسه يشير ضمنياً إلى ذلك على أنَّه "اجتماع فريقه". على الرغم من أنَّ الموظفين الحاليين يُعامَلون بشكلٍ جيد، إلَّا أنَّ ثمَّة فرقً بين طريقة تعامل القائد معهم وطريقة تعامله مع القادمين الجدد وهذا ما يُعَدُّ إشارةً إلى أنَّ المدير ينظر إليهم على أنَّهم ذوو قيمةٍ أكبر بالنسبة إلى الفريق. حيث يقضي القائد معهم وقتاً أكبر ويقدِّم لهم قدراً أكبر من الدعم والإطراء عندما يقومون بأيِّ شيء أو يتفوهون بأيِّ شيءٍ بشكلٍ عام، كما أنَّه سينقل صورةً مشرقةً عنهم إلى الإدارة العليا وسيعطيهم المجال ليبرزوا بشكلٍ أكبر في الشركة.

وعلى الرغم من أنَّه من المستحيل أن يجتثَّ القائد الحسد بشكلٍ كاملٍ من أجواء العمل، إلَّا أنَّه ثمة العديد من الأشياء التي يمكن للقائد القيام بها ليبني أجواءً تخفف من حدوثه. يُعَدُّ الدكتور "روبرت ب. فيكيو" (Robert P Vecchio) الباحثَ الذي أجرى معظم الأبحاث التي تتعلق بقضية الحسد في مكان العمل. يتحدث الدكتور "فيكيو" في مقالته التي تحمل عنوان "إدارة الحسد والغيرة في مكان العمل" (Managing Envy and Jealousy in the Workplace)، والتي تُعدُّ واحدةً من مقالاتٍ عديدة كتبها حول هذا الموضوع، عن الحسد والغيرة بوصفهما "أمرين شائعين في أجواء العمل يعودان في جزءٍ منهما إلى التنافسية التي تُعَدَّ جزءً رئيساً من الحياة التنظيمية". يقدم لنا الدكتور "فيكيو" 5 مبادرات لمواجهة ردود الأفعال المدمِّرة هذه:

  1. تقويم النضوج العاطفي للمرشحين للعمل في أثناء فترة التوظيف.
  2. نشر ثقافة الفريق.
  3. تقديم حوافز لدعم التعاون.
  4. تعزيز التواصل المنفتح.
  5. إعطاء أفضل الموظفين (والذين يكونون هم غالباً السبب في ظهور الحسد) أدوارً تدريبية.

يمكننا أيضاً تقديم نصيحةٍ إضافية إلى القادة فيما يخص سلوكهم الشخصي: بصفتنا قادة فإنَّ أنظار الموظفين، الذين يلاحظون كل حركةٍ من حركاتنا وكل تعبيرٍ من تعابيرنا، تكون موجهةً نحونا بشكلٍ مستمر، فهم يعرفون مَنْ مِنَ الموظفين يُسمَح له بالدخول إلى دائرة المقربين ومن منهم الذي يُمنع من دخولها. يجب على القائد إيلاء انتباهٍ خاصًّ إلى ألَّا يبني من حوله تلك القلة المميزة من الموظفين ويتجاهل الآخرين. لقد عرف مديري التنفيذي في ذلك المساء عندما أتى إلى مكتبي أنَّ الإشادة بمجموعةٍ قليلةٍ من الموظفين بشكلٍ متكرر عززت من شعور الموظفين بالشك تجاه أداءهم ومن شعورهم بالاستياء وهذا ما أثَّر بدوره في إنتاجيتهم. فالقائد الذي يدرك حجم الشعور بالضغط الذي يختبره الموظفون نتيجةً لسلوكه سيكون أقدر على إدارة العواطف السلبية، كالحسد، في مكان العمل وسيؤسس بيئة عملٍ أكثر رخاءً وسعادةً للجميع، وهذا ما سيساعد بدوره على تجنُّب الافتقار للإنتاجية الذي يرافق الحسد.

 

المصدر: هنا


المقالات المرتبطة