الحمد لله رب الأرض والسما... والسلام على عباده الذين اصطفى...اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... أعزائي المستمعين...إخوتي..وأخواتي.. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته... وبعد: فهذه هي الحلقة السابعة والعشرون من حلقات برنامجكم " التنمية البشرية بين المادية والروحانية "

 

وقد انتهينا في الحلقة الماضية من كيفية تنمية قوة العقل والعلم بالمعرفة القرآنية وماهو السبيل لاعتدالها وبعدها عن الافراط والتفريط لكي يصبح الانسان حكيماً خبيراً ... بعيداً عن المكر والخداع ... وبعيداً أيضاً عن الحمق والغباوة ... واليوم سنتحدث عن الركن الثاني من أركان الهيئة الباطنة للانسان والتي هي قوة الشهوة... والتي باعتدالها يكون الانسان عفيفاً وبافراطها يكون الانسان حريصاً شبقاً محباً للدنيا والهوى... وبتفريطها يكون الانسان جامداً ...

 

وقوة الشهوة هي ملكة جامعة متأصلة في النفس يتلخص فيها كل ما تشتهيه النفس البشرية من شهوة الطعام والشراب وشهوة النظر وشهوة الكلام... وشهوة ميل الذكر للانثى... ولها حكمة عليا في ايجادها.. أوجدها الله في هذا الكيان البشري فإذا فرطت أصبح الانسان حريصاً طماعاً شبقاً ... أكولاً جداً ... نؤوماً ... متعلقاً بالمال... شغوفاً به... وهكذا عند ذلك تتحول الوسائل في حياته الى غايات...فتراه يزجي وقته بتحقيق شهواته ورغائبه ...فلا أحد من العقلاء يجهل أن الغاية من شهوة الطعام دفع الانسان ليأكل فيحافظ على جسمه بالتغذي... ولاأحد يجهل أن الافراط ضارٌّ ضرراً وأيما ضرر ...ولا أحد يجهل أن المال ضروري ليقضي الانسان حاجاته فيه... فليس مقصودا  لذاته... بل هو وسيلة يحصل بها الانسان على مايريد... فكيف لو تحول هذا المال لغاية مقصودة بذاته وأصبح الانسان يركض ويلهث لهدف تحصيل المال...ويصبح الطمع سجية هذا الانسان وطبعه الغالب عليه... والعكس صحيح... كيف لو أحجم الانسان عن أي ميل لحب المال وتحصيله ... إذن لتعطلت شؤونه وتعطل معها مهمته في عمارة الأرض التي أناطها الله بالانسان...ولكن غالب شأن الانسان أنه يعاني من افراط في شهوته أكثر مما يعاني من تفريط ...فهو متعلق بما يشتهيه أكثر مما يعزف عنه...

 

رأى عمر رضي الله عنه مرة رجلاً وقف على باب قصاب..يعني جزّار...لحّام.. يومين متتابعين...فسأله مستغرباً عن سبب شرائه يومين متتاليين اللحم فقال له اشتهينا ياأمير المؤمنين ... فقال له: أكلما اشتهيت اشتريت... مرمى القصة أن الانسان يضر بصحته وبنفسه وبدينه من تنفيذه لمشتهياته دون النظر بصالحه وما يصلح شأنه... ويعود عندئذ من ذلك بأمراض ومشاكل يحتاج معها لمعالجة مشاكل جديدة وقع فيها بسبب ذلك... أما إذا اعتدلت الشهوة ، فيتناول الانسان من دنياه ماينفذ فيه شهوته من دون زيادة.. باعتدال فيفيد ويستفيد...أما اعتدال الشهوة فيحتاج الى شيء من مجاهدة النفس وذلك بربط النعم التي تتراءى للانسان أمامه بمصدرها الحقيقي المنعم عز وجل...مع شيء من منع النفس عنها وأخذ النفس بسياسة شيئاً فشيئاً... من هذه الشهوات شهوة الكلام... وماأدراك عزيزي المستمع ماشهوة الكلام... حتى لترى الانسان يقع بسبب هذه الشهوة ... بالغيبة والنميمة والبهتان ...فالشهوة دافع للفعل... إن استقامت واعتدلت... تعدل الكثير من السلوك بسهولة وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهمية شهوتي اللسان والفرج فقال: [من يضمن لي مابين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة]..وسأل معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نحن مؤاخذين بما نتكلم به يا رسول الله ،فقال له عليه السلام: وهل يكب الناس على وجوههم في النار يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم... أما الركن الثالث من أركان الهيئة الباطنة للنفس فهو قوة الغضب ...هذا ما سنشرحه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.