ما حجم الهدر لدى منظمتك؟

هل سبق لك على سبيل المثال أن انتظرت شخصاً آخر لينهي مهمةً ما حتى تستطيع أنت متابعة عملك؟ وهل لديك كمية كبيرة من السلع التي لمَّا تبعها بعد؟ وهل لديك محطات عمل (مكاتب) أكثر من التي تحتاج إليها؟ وهل تطلب موادَّ قبل شهرٍ من موعد احتياجك إليها؟ وفيما يتعلق بالمرونة، هل يمكنك تغيير عملياتك بشكلٍ سريع لتلبية احتياجات الزبائن إذا ما أرادوا إدخال تعديلٍ على منتجك؟

يكلفك الهدر المال وكذلك يفعل بزبائنِك وإذا ما كان سيتسبب بأن يدفع زبائنُك المزيد من المال فقد يبحثون عن بديلٍ لك. فالقدرة على المنافسة تحتاج أيضاً إلى كثيرٍ من المرونة لذلك يجب عليك أن تكون قادراً على تلبية الطلبات المتغيرة لزبائنك بسرعةٍ وكفاءة والتكيُّف مع بيئة العمل التي تتغير بشكلٍ سريع.

إذاً فكيف سيكون في إمكانك أن تقلل من الهدر وتؤدي الأعمال بمزيدٍ من الكفاءة؟ وكيف سيكون في إمكانك أن تواكب الطلبات المُتغيرة للزبائن؟

يُعَدُّ التصنيع الخالي من الهدر والذي ذُكِرَ أوَّل مرة في العام 1990 في كتاب "جيس ووماك" (James Womack) الذي يحمل عنوان "الآلة التي غيَّرت العالم" (The Machine That Changed the World) إحدى النظريات التي يمكن أن تساعدك على تبسيط بيئة عملك وتنظيمها بحيث تستطيع التقليل من الهدر والحفاظ على قدرة موظفيك ومعداتك وفضاء عملك على الاستجابة لما هو ضروري في الوقت الراهن.

نصيحة:

مثلما يمكن تطبيق مفهوم "التصنيع الخالي من الهدر" في المكاتب وبيئات العمل الأخرى يمكن تطبيقه أيضاً في منشآت التصنيع. فمن المفيد ربط كلماتٍ مثل "المخزون" و"الزبائن" و"الإنتاج" بأي شيءٍ تتعامل معه – سواءٌ كان بياناتٍ أم وثائق أم معرفةً أم خدمات إلخ.

لمحة موجزة عن تاريخ التصنيع الخالي من الهدر:

لقد كان "هنري فورد" (Henry Ford) أحد أوائل الأشخاص الذين طوَّرا الأفكار التي تقف خلف فلسفة "التصنيع الخالي من الهدر". فقد استخدم فكرة ما يُعرَف بـ "التدفق المستمر" (continuous flow) على خط تجميع سيارة الفورد "موديل تي" حيث فرض "فورد" معايير إنتاج شديدة الصرامة ممَّا أدى إلى تناسق مراحل العملية بعضها مع بعضها الآخر بشكلٍ مثالي وأدَّى في النتيجة إلى تضاؤل الهدر.

ولكنَّ عملية "فورد" لم تكن مرنة فقد أنتج خط التجميع لديه الشيء نفسه مراراً وتكراراً ولم يكن من السهولة بمكان أن تتيح العملية أيَّة تعديلاتٍ أو تغييرات على المنتج النهائي – فخط تجميع "موديل تي" لم ينتِج سوى "الموديل تي". لقد كانت العملية أيضاً عملية "دفع" أي أنَّ فورد هو من يحدد مستوى الإنتاج ويدفع به نحو الزبائن بدلاً من أن تكون عملية "سحب" يقودها الزبائن و"يسحبون" من خلالها المنتج الذي يلبِّي طلبهم. فأدى ذلك إلى تخزين كمية ضخمة من السيارات التي لم تجد طريقها نحو البيع ممَّا نتج عنه في النهاية الكثير من الأموال المهدورة.

بدأ مُصنِّعون آخرون باستخدام أفكار "فورد" ولكنَّ العديدين منهم أدركوا أنَّ ثمَّة مشكلةً تتمثَّل في افتقار نظامه إلى المرونة. فطوَّر بعد ذلك "تاييتشي أونو" من شركة تويوتا نظام إنتاج تويوتا الذي استخدم لزيادة الكفاءة طرائق التصنيع المُسماة "الإنتاج المُبرمَج" (Just In Time). ولقد استخدمت تويوتا هذه العملية بشكلٍ ناجح كما ذكَر "ووماك" في كتابه وبرزت نتيجةً لذلك بوصفها واحدة من أكثر شركات التصنيع تحقيقاً للربح في العالم.

مبادئ التصنيع الخالي من الهدر:

يعتمد منهج "التصنيع الخالي من الهدر" على إيجاد الكفاءات والتخلص من الخطوات المُسبِّبة للهدر والتي لا تضيف أية قيمة إلى المنتج النهائي. ومع "التصنيع الخالي من الهدر" ليس ثمَّة حاجة إلى تخفيض الجودة – فالتخلص من الخطوات هو نتيجة لإيجاد طرائق أفضل وأكثر كفاءة لإنجاز المهام نفسها.

لإيجاد الكفاءات يتوخى "التصنيع الخالي من الهدر" منهجاً يركز على قيم الزبائن ويجيب عن السؤال الآتي: "ما الشيء الذي يجعل الزبون راغباً في دفع النقود؟". فالزبائن يريدون القيمة ولن يدفعوا إلَّا في حال تمكَّنت من تلبية احتياجاتهم. فهُم لا يمكن أن يدفعوا مقابل العيوب الموجودة في المنتَج أو مقابل التكلفة الإضافة المُترتِبة على تخزين كميات كبيرة منه. بمعنى آخر هم لا يمكن أن يدفعوا نتيجةً للهدر الذي تُعَدُّ أنت مسؤولاً عنه.

الهدر هو أي شيءٍ لا يضيف أية قيمة إلى المنتج النهائي وثمَّة ثمانية أصناف منه يجب عليك أن تراقبها:

  1. الإفراط في الإنتاج: هل تنتج أكثر ممَّا يطلبه الزبائن؟
  2. الانتظار: ما حجم الوقت الضائع بين خطوات الإنتاج؟
  3. التخزين (العمل الذي في طور التنفيذ): هل مستويات الإمداد لديك مرتفعة جداً؟ وهل لديك العديد من الأعمال التي هي في طور التنفيذ ؟
  4. النقل: هل تنقل موادك بكفاءة؟
  5. المبالغة في المعالجة: هل تضطر إلى التعامل مع المنتج مراتٍ عديدة وإلَّا فإنَّه لن يعمل بكفاءة؟
  6. الحركة: هل ينتقل الموظفون والمعدات من مهمةٍ إلى أخرى بكفاءة؟
  7. العيوب: كم تقضي من الوقت لإيجاد أخطاء الإنتاج وإصلاحها؟
  8. القوة العاملة: هل تستخدم عمَّالك بكفاءة؟

ملاحظة:

ذُكِرَت المصادر السبعة الأولى للهدر في الأصل في "نظام إنتاج تويوتا" وأُطلق عليها اسم "مودا" (muda) وهي كلمة يابانية تعني الهدر. ويُضاف غالباً إلى "التصنيع الخالي من الهدر" الصنف الثامن والذي هو "القوة العاملة".

يمنح "التصنيع الخالي من الهدر" الأولوية للتحسين البسيط والصغير والمستمر كتغيير موقع أداةٍ ما أو تقريب محطتَي عمل إحداهما من الأخرى. وعندما تتم إضافة بعض هذه التحسينات الصغيرة إلى بعضها الآخر فإنَّها يمكن أن تؤدي إلى مستويات أعلى من الكفاءة عبر النظام بأكمله (انتبه إلى أنَّ هذا التركيز على التحسينات الصغيرة لا يعني أنَّه ليس في استطاعتك إجراء تحسينات أكبر إذا كانت ضرورية).

ملاحظة:

على الرغم من أنَّ الهدف هو التخلص من أكبر قدرٍ من الهدر من خلال تنقيح عملياتك بشكلٍ مستمر إلَّا أنَّك على الأرجح لن تستطيع التخلص من الهدر بشكلٍ كامل.

عملية التصنيع الخالي من الهدر:

ثمَّة في هذه العملية ثلاث مراحل أساسية:

الخطوة الأولى: تحديد الهدر

وفقاً لفلسفة "التصنيع الخالي من الهدر" فإنَّ الهدر موجودٌ دائماً ومهما بلغت جودة عمليتك فإنَّها لا يمكن أن تسيطر على الهدر بشكلٍ كامل. ولكن فلسفة "التصنيع الخالي من الهدر" تعني الالتزام بالتحسين الدائم وهو ما يُطلَق عليه اسم "كايزن" (Kaizen) وهي كلمة يابانية تعني التغيير نحو الأفضل.

تُعَدُّ أداة "تخطيط تدفق القيمة" (Value Stream Map) إحدى الأدوات الأساسية المُستخدمة لإيجاد مواضع الهدر فهي تُظهر كيفية سير المواد والعمليات عبر منظمتك حتى تقديم المنتج أو الخدمة إلى زبائنك. فهي تنظر إلى مدى ترابط الإجراءات والإدارات وتسلط الضوء على الهدر. وعندما تحلل "تخطيط تدفق القيمة" سترى أيُّ العمليات تضيف القيمة وأيُّها لا تقوم بذلك. يمكنك بعد ذلك وضع مخططٍ مستقبلي لتدفق القيمة يتضمن أقل عددٍ ممكن من الأنشطة التي لا تضيف أي قيمة إلى المنتج أو الخدمة.

الخطوة الثانية: تحليل الهدر وإيجاد سببه الجذري

ابحث عن السبب الذي يقف خلف كل واحدة من عمليات الهدر التي حددتها في المرحلة الأولى باستخدام "تحليل السبب الجذري". فإذا كان ثمَّة آلةٌ تتعطل بشكلٍ مستمر فقد تظن أنَّ المشكلة ميكانيكية فتقرر شراء آلةٍ جديدة ولكن تحليل السبب الجذري قد يُظهِر لك أنَّ السبب الحقيقي هو ضعف مستوى التدريب لدى العمَّال المسؤولين عن تشغيل الآلة والذين لا يستخدمونها بالشكل المناسب. ومن بين الأدوات الفعالة الأخرى لإيجاد السبب الجذري "العصف الذهني".

الخطوة الثالثة: حل السبب الجذري

باستخدام إحدى العمليات الملائمة لحل المشكلة حدد ما يجب عليك القيام به لحل المشكلة وتحقيق قدرٍ أكبر من الكفاءة.

أدوات للحد من الهدر:

بعد أن حددت العمليات التي تسبب الهدر باستخدام المراحل الثلاث الأساسية المذكورة أعلاه تستطيع تطبيق الأدوات الآتية لمساعدتك على الحد من الهدر بشكلٍ أكبر:

  • الإنتاج المبرمج: تُعَدُّ هذه الفكرة الفكرة الأساسية التي يقوم عليها منهج "التصنيع الخالي من الهدر" وهي تعتمد على نموذج "السحب" الذي أشرنا إليه سابقاً. فللحد من التخزين ومن استخدام الموارد يمكنك ألَّا تشتري المواد وألَّا تنتج المنتجات وتوزعها إلَّا عندما تكون في حاجةٍ إلى ذلك على الرغم من أنَّه يمكنك أيضاً أن تستمر في إنتاج دفعاتٍ صغيرة من المنتج لكي تساعد على سير عملية الإنتاج بسلاسةٍ وكفاءة. فمن خلال تقليل حجم الدفعة تستطيع أيضاً مراقبة الجودة وتصحيح أي عيوب بشكلٍ مسبق ممَّا يقلل من احتمال ضعف الجودة في الدفعات المستقبلية.

(إحدى الطرائق الأساسية للقيام بذلك في عملية التصنيع هي التي تُطبَّق باستخدام أداة "كانبان" المُشار إليها أدناه).

  • "كانبان" (Kanban): تُعَدُّ هذه الطريقة إحدى الطرائق الأساسية لضم الأشخاص إلى عملية "التصنيع الخالي من الهدر". فهنا يمكنك دعم نظام الإنتاج المُبرمج من خلال تطوير علامات في النظام للدلالة على أنَّك تحتاج إلى استبدال شيءٍ ما أو طلبه أو وضعه في مكانٍ مُعيَّن. حيث ينصبُّ تركيز الاهتمام هنا على الحد من الإفراط في الإنتاج بحيث يكون لديك ما تحتاج إليه فقط في الوقت الذي تحتاج إليه فيه.
  • انعدام العيوب (Zero Defects): يركز هذا النظام الاهتمام على الحصول على المنتج المناسب من المرة الأولى بدلاً من قضاء وقتٍ إضافي وإنفاق أموالٍ إضافية لإصلاح المنتجات ذات النوعية السيئة. فمن خلال استخدام نظام "انعدام العيوب" ستعزز فكرة أنَّ عدم وجود عيوب أمرٌ ممكن وستشجع الموظفين على القيام بالأشياء المناسبة من المرة الأولى التي يقومون بهذه الأشياء فيها.
  • سرعة تغيير الأدوات (Single Minute Exchange of Die): يساعدك هذا على بناء المرونة في نظام الإنتاج الخاص بك. ففي صناعة السيارات على سبيل المثال قد يستغرق تغيير خطٍ ما من أجل إنتاج موديل مختلف من السيارات أياماً. ولكن في هذه الأداة جرى تصميم عملية التجميع وآلية التجميع لدعم التحول السريع والفعال.
  • فلسفة العناصر الخمسة (The 5S Philosophy): يعتمد التصنيع الخالي من الهدر على التوحيد القياسي فأنت تريد لأدواتك وعملياتك وترتيبات فضاء عملك أن تكون بسيطة وموحدة قدر الإمكان. إذْ يؤدي هذا إلى تضيق المجال أمام سير الأمور بشكلٍ خاطئ ويقلل من الحاجة إلى تخزين قطع الغيار التي تحتاج إلى الاحتفاظ بها.

نصيحة:

تقدم هذه التقنيات حلولاً مُثْبَتة للتخلص من الهدر في منظمتك ولكن تذكر أولاً أن تطبق المراحل الثلاث لعملية " التصنيع الخالي من الهدر وأن تتعامل مع أية مشاكل تظهر أمامك.

النقاط الرئيسة:

يركز التصنيع الخالي من الهدر الاهتمام على استغلال عملياتك والتخلص من الهدر فهذا يساعدك على خفض التكاليف وتقديم ما يريده الزبائن وما يرغبون في دفع المال مقابله. ستتمتع مع فلسفة "التصنيع الخالي من الهدر" بالفائدة التي ستجنيها من التحسن المستمر لذا بدلاً من القيام بتغييرات سريعة وغير منتظمة تُعَدُّ مُدمِّرةً لفضاء العمل يمكنك القيام بتغييرات صغيرة ومنتظمة يمكن للأشخاص الذين يتعاملون مع العمليات والمعدات والمواد المضي بها قُدُماً. إذْ يُعَدُّ هذا النهج المنظَّم والبسيط فعالاً للغاية في جميع أنواع الأعمال وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ العملية الخالية من الهدر هي عملية أكثر استدامة.

طبِّق نهج "التصنيع الخالي من الهدر في حياتك":

  1. الإفراط في الإنتاج: هل تقدم بياناتٍ أو معلومات أكثر ممَّا يُطلب منك؟ وهل تقوم في أغلب الأحيان على سبيل المثال بإعداد تقارير أكثر من اللازم؟ وهل تقضي وقتاً أكثر من الضروري في صياغة هذه التقارير؟
  2. الانتظار: هل تقضي كثيراً من الوقت في انتظار معلوماتٍ من الآخرين أو بياناتٍ منهم حتى تستطيع القيام بعملك؟ وما الذي تستطيع القيام به حيال هذا؟
  3. التخزين (العمل الجاري): هل لديك كميات كبيرة من المواد؟ وهل مستويات التزويد ومستويات الأعمال التي هي في قيد الإنجاز مرتفعة جداً عندك؟
  4. النقل: هل تنتقل الأشياء بكفاءةٍ لديك؟ وهل في إمكانك دمج عمليات التقديم أو تقديم الأشياء بشكلٍ أسرع؟
  5. المبالغة في المعالجة: هل تتعامل وشيئاً ما أكثر من مرة واحدة من دون أن يكون ثمَّة حاجة إلى ذلك؟
  6. الحركة: كيف يسير العمل في فريقك؟ وهل يفهم الموظفون ما المطلوب منهم في كل خطوة؟ وهل يتنقل الأشخاص وهل تنتقل المعدات من مهمة إلى أخرى بكفاءة؟
  7. العيوب: هل تجد أخطاء بشكلٍ دائم؟ وهل ترتكب الأخطاء نفسها بانتظام؟
  8. القوة العاملة: هل تستخدم وقتك بشكلٍ حكيم؟ وهل تقضي معظم وقتك في أنشطةٍ تضيف القيمة وذات أولوية عالية؟

 

المصدر


المقالات المرتبطة