إذا كُنت تبحث عن النجاح والارتقاء نحو القمة، عليك أولاً إتقان اللغة كما يقول ابراهيم الفقي في كتابه سحر الكلمة. فإذا قُمت بتحليل يومك فستجد أنّ أكثر من 80% منه يقوم على التواصل الشفوي مع الآخرين، سواء كان ذلك من خلال تفسير أو إصدار الأوامر أو الإقناع أو توجيه النصائح أو الأسئلة و الإجابة على الأسئلة وما إلى ذلك.

أهمية إتقان اللغة ودورها في صنع مصير الإنسان:

واختصاراً ستجد أنّ معظم وقتك يمضي في الكلام والتعبير، وكُلّما صرت بارعاً في التعبير عن نفسك بوضوح ودقة للآخرين باستخدام لغة تزيل كافة احتمالات سوء الفهم، كلّما صرت أكثر نجاحاً في التأثير على الآخرين وتوجيه أفعالهم، فلست الوحيد الذي اكتشف أنّ اللغة هي المفتاح السحري لبوابة الحياة والسعادة والنجاح.

بعض النصوص التي تؤكّد مدى أهمية الكلمات ودورها في صنع مصير الإنسان:

فمن قبل سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ بن جبل “إنك يا معاذ لن تزال سالماً ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك” رواه الطبراني في الكبير عن معاذ.

وحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم “ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت” متفق عليه.

وهذا قول الشافعي الرائع إذ يقول:

احفظ لسانك أيها الإنسان
كم في المقابر من قتيل لسانه
لا يلدغنك إنه ثعبان
كانت تهاب لقاءه الشجعان

 

وحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم “من صمت نجا” رواه الترمذي وأحمد عن عبد الله بن عمرو.
وقوله تعالى “ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة” سورة ابراهيم الآية 24.
وقال صلى الله عليه وسلم عن معاذ “ثكلتك أمك، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم” رواه مسلم والترمذي والنسائي وأحمد وابن ماجه.

وهذا يعني مدى أهمية الكلمات ودورها في صنع مصير الإنسان ومقدراته.

اللّغة هي دليل الشخصية:

فقديماً قال أحد الفلاسفة اليونان لشاب أطال الصمت أمامه “تكلم يا رجل حتى أراك”. وهذا يدلنا على أنّ السمات الشخصية لأي إنسان تظهر ملامحها من خلال آليات المحادثة، كاختياره للفظ الذي ينطق به وموضوع النطق، ونبرة الصوت وإيقاع الحديث، أكان عاجلاً أم متمهلاً، وغير ذلك من آليات التحدث.

مصادر تحصيل اللغة:

وتنمية اللغة تعتمد في المقام الأول على تحصيل اللغة، وتحصيل اللغة يأتي من مصادر عدة، لعل من أهمها الاستماع الجيد.

1ـ الاستماع الجيد

وكما يقول ليدي بلسنجتون بأنّ الناس على استعداد دائم للعمل بالنصيحة ما دامت تتفق مع أمانيهم ورغباتهم، فكُلّما كنت تستمع استماعاً حريصاً ويبدو أن محدثك في حالة عاطفية شديدة.

وكما يقول براين تريسي فأنصت بصبر إضافي قبل أن تقول أي شيء، دع الشخص يتحدّث ويستنفذ كل ما بداخله من غضب أو عاطفة ويتخلّص منها قبل أن تحاول الوثوب لتقديم أية اقتراحات، والأهم من ذلك أن تكون حذراً عند تقديمك للنصح، إلا إذا طلب منك ذلك، واعلم أن إنصاتك المتعاطف خير للمتحدث من ألف نصيحة، والاستماع يساعد على إنماء الحصيلة اللغوية من ألفاظ ومترادفات عدة، ويقدم للفرد البدائل التي ينتقي منها للرد على مختلف المواقف والأسئلة.

فهو يتعلّم الأمثال والحكم، وما يكون مهذباً وما يكون فظاً من الردود والتعليقات، كما أن للاستماع أهمية كبرى في الظهور بمظهر الاتزان والوقار، كما يمنح الآخرين الشعور بأنك تحترم كلامهم وتقدر شخصياتهم.

2ـ القراءة

ومن مصادر اللغة أيضاً القراءة، والقراءة ليست مورداً للغة فحسب بل هي تعدّ أيضاً منهلاً عذباً للثقافة العامة، ولا أوصي بالقراءة في نوع واحد فقط من الكتب كالأدب مثلاً، وإنما أوصي بالقراءة بشكل عام، فلو قمت بتخصيص وقت يومي للقراءة ولو نصف ساعة تقضيها في مطالعة جريدة أو مجلة أو كتاب، تكون بذلك وضعت لنفسك منهجاً طويل الأمد للارتقاء بثقافتك، وقاموسك اللغوي سيتنامى يومياً بشكل متميّز.

وكُلّما صرت بارعاً في التعبير عن نفسك بوضوح ودقة للآخرين بالشكل الذي يمنع كافة احتمالات سوء الفهم، كلما صرت أكثر نجاحاً وقبولاً لدى الآخرين، وقد ثبت ارتباط النجاح والقدرة على الكسب بالمهارات الكلامية، كما ثبت ارتباط المهارات الكلامية وتنميتها بتحسين المهارات اللغوية.

مثال عن أثر الاستماع الجيّد وأهميته:

وكثير من الأحيان نتفاجأ بمواقف اجتماعية لا نعرف كيف نرد فيها أو قد نحرج منها، واستماعنا يفيد في الرد على الكثير من الأسئلة المحرجة والمواقف الصعبة، فتلك المرأة التي كان لديها ولد نجيب وذكي فكانت في حفلة هي ونساء الحي، وجاء ولدها فقالت لها إحدى النسوة “قرة عينك”، فلم تعرف تلك المرأة أن ترد عليها وأصابها الإحراج، فقالت لها بسرعة حتى تنجو من الموقف “الله يقريك”، فضحكت النسوة عليها لردها، وازداد إحراج تلك المرأة، فكان الرد الجميل لها كأن تقول مثلاً “بنبيك”.

استراتيجيات للرد الذكي والسريع في المواقف المفاجئة:

وكثير من الأحيان نواجه بأسئلة محرجة أو أن تكون تلك الأسئلة لا نريد الإجابة عليها، كأن يقول لك أحدهم كم وزنك، أو كم عمرك، أو كم تتقاضى في الشهر من مرتب، وغيرها من الأسئلة المحرجة.

وكما وضح ياسر الحزيمي استراتيجيات عديدة للرد الذكي السريع لمثل هذه المواقف المفاجئة، فمثلا لدينا استراتيجية التضخيم والتكبير، فإن استهزأ بك أحدهم مثلاً فقال “كم وزنك”، فترد عليه مثلا “مع كرشي أو بدونه”، وهناك استراتيجية “أحسن من”، فمثلاً إن قال لك أحدهم “أنت قبيح أو بشع”، فترد عليه بشيء من قبيل “قبيح وبشع أحسن من طويل اللسان قليل الأدب”.

وهناك استراتيجية “مثل”، فإن سألك أحدهم مثلاً “كم تتقاضى في الشهر؟”، فترد عليه مثلاً “مثل ما يتقاضى من يعملون بمثل هذا المجال”، فإن أصر عليك وألح بالسؤال وأنت لا تريد الإجابة فابدأ بالتفصيل كأن تقول مثلاً “فالعاملون في مجال كذا يتقاضون كذا وكذا والعاملون في مجال كذا يتقاضون كذا وكذا وهكذا …”، وإن ألح عليك أنك في أي قسم منهم تعمل فتجيب عليه مثلاً باستراتيجية الدعابة مثلاً أن تقول له “هل تريد أن توظفني؟!”، وهي استراتيجيات لوضع حد للآخر دون أن تقل أدبك عليه.

الخلاصة

ولتعرف الردود الذكية والمناسبة في كل موقف عليك بالاستماع أكثر وأن تقرأ أكثر، والصمت في كثير من الأحيان أحفظ للكرامة وأجلب للهيبة، ولتحسين لغتك عليك بالاستماع والإنصات الجيد وعليك بعادة القراءة، فلغتك الواضحة هي الأساس لبناء علاقاتك المتزنة الإيجابية.


المقالات المرتبطة