تخيّل أنَّك تعمل في شركةٍ تشعر بحماسةٍ حقيقيةٍ تجاهها وتفخرُ بأن تكون جزءاً منها، فالأجر الذي تقدمه لك أجرٌ محترم بكل تأكيد وثمَّة لديها دارٌ لحضانة الأطفال. ولكنَّ هذه ليست الأسباب الوحيدة التي تفسِّر عشقك للعمل هنا، فأنت فخورٌ بأن تكون جزءاً من هذه الشركة لأنَّها شركةٌ مُحترَمة، فعالَمها يختلف عن عالم الشركات التقليدي "الذي يمتاز بحدة المنافسة" وذلك من خلال طريقة تعاملها مع المورِّدين، والتزامها بالحفاظ على البيئة، ورغبتها في تقوية أعضاء فرقها ودعمهم بدلاً من تثبيطهم، فثمَّة أجواءٌ من الحماسة والثقة بالإمكانات في المكتب وأنت مولعٌ بالمجيء إلى العمل كل يوم.

يبدو هذا مُدهِشاً، أليس كذلك؟ حسناً إن شركةً كهذه لم تعد مجرد حلم، فمن خلال استخدام نهج "المعايير الأساسية الثلاثة" يمكنك بناء هذا النوع من الشركات ومراقبة ما تقوم به.

ما المعايير الأساسية الثلاثة؟

لقد كان "جون إلكنغتون" هو أوَّل من وضَّح المعايير الأساسية الثلاثة توضيحاً كاملاً في كتابه الذي نشره في العام 1997 والذي حمل عنوان "متوحشون يحملون أشواكاً: المعايير الأساسية الثلاثة للعمل في القرن الحادي والعشرين" (Cannibals With Forks: The Triple Bottom Line of 21st Century Business). حيث تقيس هذه المعايير ثلاثة أمور أساسية بشكلٍ مستمر وهي الأرباح، وتأثير المنظمة في الأشخاص، وتأثيرها في الكوكب وهي تُعَدُّ إحدى طرائق إظهار تأثير المنظمة ودوام استمراريتها على الصعيدَيْن المحلي والعالمي.

يستند مفهوم المعايير الأساسية الثلاثة إلى أنَّ الشركات مسؤولة أولاً وقبل كل شيء عن جميع أصحاب مصلحتها، والذين هم جميع الأشخاص المعنيين بالشركة، سواءً أكان بشكلٍ مباشر أم غير مباشر، بالإضافة إلى الكوكب الذي نعيش فوقه. وينظر هذا النهج إلى المساهمين بوصفهم جزءاً من مجموعة أصحاب المصلحة ولكنَّهم ليسوا أكثر من جزءٍ منها فقط.

قد يبدو هذا النهج في البداية نهجاً سخيفاً، بيد أنَّ بعض التوجهات المهمة تدعم حاجة المنظمات إلى أن تكون منظماتٍ خيِّرة، إلى حدٍّ ما على الأقل:

  • تعتمد العديد من المنظمات في نجاحها بشكلٍ جوهري على توظيف الأشخاص المميزين، وتحفيزهم، والاحتفاظ بهم. فعند قيادة الفرق الرياضية أو المنظمات الإعلامية الرائدة يكون الأشخاص الذين يكسبون أكبر قدرٍ من المال فيها هم محطّ الاهتمام وليس المساهمون، وهذه المنظمات ليس لها خيارٌ إلَّا أن تُركّز اهتمامها على هؤلاء الأشخاص.
  • ثمَّة في العديد من أجزاء العالم ندرة في الأشخاص المميزين لا سيما في مجالات عمل معينة، فجيل الطفرة السكانية (Baby Boomers) (الأشخاص المولودون بين عامَيْ 1946 و1964) يغادرون أماكن العمل متَّجهين نحو التقاعد، وثمَّة عددٌ أقل من الأشخاص في الأجيال التي تلت هذا الجيل. فالمنظمات التي لا تعتني بقواها العاملة ستجد بسرعةٍ أنَّها لن تستطيع جذب الأشخاص الذين تحتاج إليهم والاحتفاظ بهم.
  • تتخذ الأجيال المختلفة مواقف مختلفةً من العمل، فبينما يكون من الممكن أن تكون الأجيال الأكبر سنَّاً قد عانت ظروفاً من الفقر، فإنَّ الأشخاص الذين ينتمون إلى الجيل إكس (الأشخاص المولودون في الفترة المُمتدة بين أواخر الستينيَّات وأوائل الثمانينيَّات) والجيل "واي" (والمعروفون أيضاً باسم جيل الألفية الذين وُلدوا في الفترة التي تمتد بين الثمانينيات وبداية الألفية الجديدة) يبحثون على الأرجح عن المزيد من المعاني وفي حال لم يجدوا هذه المعاني فإنَّهم سيغادرون.
  • إنَّ المستهلكين والزبائن المحتملين لديهم العديد من الخيارات الإضافية التي لم تكن لديهم في الماضي وهم أكثر وعياً للمواقف الأخلاقية والبيئية للشركات الكبيرة. وبعضهم يبنون عمليات الشراء التي يقومون بها وقراراتهم المهنية على هذه الأمور.

فلنلقِ نظرة على المعايير الثلاثة بشكلٍ أكثر تفصيلاً:

الأشخاص:

تفكّر الشركات التي تتبع في قيامها بعملها طريقة المعايير الأساسية الثلاثة في تأثير أفعالها في جميع الأشخاص المرتبطين بها من المزارعين الذين يقدمون المواد الأولية وحتى المدير التنفيذي للشركة، فسلامة الجميع تكون في الحسبان. إذْ توفِّر الشركة رعايةً صحية، وساعات عملٍ مريحة، ومكان عملٍ آمنٍ وصحي، وفرصاً للتقدم والتعلم، ولا تستغل العاملين فيها (من خلال استخدام عمالة الأطفال أو تقديم أجور استغلالية). ويمكن أن يتضمن معيار "الأشخاص" أيضاً في بعض الحالات المجتمع الذي تؤدي الشركة عملها فيه.

فعلى الرغم من أنَّ مفهوم معيار "الأشخاص" يُعَدّ بكل تأكيد مفهوماً جذَّاباً إلَّا أنَّ الصعوبة تكمن في تحديد المدى الذي ستذهب إليه في تطبيق هذا المفهوم. فهل تطبقه على الموظفين؟ وهل تطبقه على عائلاتهم؟ وهل تطبقه على المورِّدين؟ وعلى الأشخاص الذين يقطنون بالقرب من مباني الشركة؟ وقربها إلى أي حد؟ وماذا يتوجب عليك أن تفعل إذا كنت في حاجةٍ إلى إعادة هيكلة العمل من أجل أن تحافظ على قدرتك على التنافس وتسرِّح بعض الموظفين؟ هل يجب أن يعني اهتمامك بالموظفين أن ترفض تسريحهم من العمل على الرغم من أنَّ ذلك على المدى الطويل يمكن أن يضع قدرة المنظمة على الاستمرار في خطر بالنسبة إلى جميع الموظفين؟

الكوكب:

تحرص الشركات التي تتبع نهج المعايير الأساسية الثلاثة على الحد من تأثيرها في البيئة أو التخلص من هذا التأثير نهائيَّاً. فهي تكافح من أجل الاستدامة البيئية، وتعي حقيقة أنَّ الاهتمام بالبيئة قد يكون أكثر إفادةً على المدى الطويل. ولكنَّ الأمر لا يتعلق بالمال فقط، فالشركات التي تتبع نهج المعايير الثلاثية تراقب كامل دورة حياة أعمالها وتحاول تحديد التكلفة الحقيقية لما تقوم به فيما يتعلق بالبيئة. فهي تحرص على تخفيض استخدامها للطاقة، وتتخلص من أيَّة نفايات سامة بطريقةٍ آمنة، وتحاول استخدام مصادر الطاقة المتجددة، ولا تطرح منتجاتٍ خطيرةً وغير صحية بالنسبة إلى كلٍّ من الأشخاص والكوكب.

الربح:

يُعَدُّ المعيار المالي المعيار الذي تشترك جميع الشركات بالقيام باتباعه سواءٌ كانوا يستخدمون المعايير الأساسية الثلاثة أم لم يكونوا يستخدمونها. فعند النظر إلى الربح من وجهة نظر المعايير الأساسية الثلاثة تكون الفكرة المتعلقة بالأرباح هي أنَّها ستساعد على دعم المجتمع كلِّه والحفاظ عليه ولن تكون خاصةً فقط بالمدير التنفيذي والمساهمين.

ممارسة المعايير الأساسية الثلاثة:

سواء كان نهج المعايير الأساسية الثلاثة ملائماً لعملك أم لم يكن كذلك من المنطقي أن تعرف كيف يتغير مكان العمل وأن تفكير فيما إذا كنت في حاجةٍ إلى تعديل نهجك في العمل بحيث يعكس هذا التغير. فإذا قررت استكشاف المزيد حول هذا المفهوم فابدأ بالبحث عمَّا تقوم به الشركات الأخرى لإحداث تغييرٍ إيجابي في الطريقة التي تؤدي العمل من خلالها. فالنظر إلى الخطوات التي قامت بها سيوفر عليك الوقت الذي ستبذله في التفكير في طرائق لتحسين عملك. وثمَّة بعض الأمثلة على ذلك من مجموعة مختلفة من المجالات:

  • لقد اتّخذت إحدى شركات الشحن والتغليف العالمية خطواتٍ صارمة للتقليل من تأثيرها في البيئة، ويستخدم حالياً حوالي 30% من متاجرها الطاقة المتجددة.
  • وضعت إحدى شركات المثلجات لنفسها هدفاً يتضمن التقليل من انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون الصادرة عنها بنسبة 10% خلال الأعوام القليلة القادمة. وقد بدأت البحث بالفعل عن طرائق لتغليف مثلجاتها تكون صديقةً للبيئة بشكلٍ أكبر وخططت للتقليل من النفايات بما يعادل 1000 طن على الأقل.
  • ثمَّة إحدى شركات القهوة التي لا تشتري حبوب القهوة إلَّا من المزارعين الذين يزرعون القهوة بأسلوب صديقٍ للبيئة، وتحرص على أن يُعامَل جميع عمَّالها معاملةً عادلة وأن يتلقوا الحد الأدنى من الأجور التي تؤمن لهم حياةً كريمة وذلك مقابل المهارات التي يتمتعون بها.
  • تركز إحدى شركات الكمبيوتر الكثير من جهودها على برامج التدريب والتعليم، وتساعد الأطفال المحرومين من خلال منحهم قدرة على الوصول إلى التكنولوجيا، ومن أهدافها أيضاً إعادة تدوير 60% من النفايات التي تصدر عنها كل عام.

من خلال تخصيص الوقت للبدء في استخدام نهج المعايير الأساسية الثلاثة قدد تتفاجأ بحجم ردة الفعل الإيجابية التي سيبديها زملاؤك وزبائنك.

متى تستخدم المعايير الأساسية الثلاثة:

تُعَدُّ المعايير الأساسية الثلاثة نظاماً لتقديم التقارير بشكلٍ خاص، فهي في ذاتها لن تحسِّن في الواقع تأثير الشركة في الأشخاص أو في البيئة مثلما لن يؤثر وضع مجموعة من الحسابات الإدارية في الأرباح. بيد أنَّ هذا النظام يمكن أن يُستخدَم لإدخال تحسينات على الطريقة التي تؤثر من خلالها منظمةٌ ما في الأشخاص والبيئة من خلال مساعدة المديرين على تركيز الاهتمام على ما يحتاجون إلى القيام به لتحسين جميع المعايير ووضع هذا العمل على رأس أجندتهم.

وعلى الرغم من ذلك وكما هو الحال في جميع أنظمة القياس فإنَّ تكلفة مراقبة ثلاثة معايير وحسابها يمكن أن تكون كبيرة، ولا يمكنك تعويض هذه التكلفة إلَّا إذا استطعت القيام ببعض الأمور الخيِّرة. والأهم من ذلك أنَّه ليس من الضروري بكل تأكيد أن تستخدم نظام المعايير الأساسية الثلاثة لكي تعامل الأشخاص معاملةً جيدة أو تراقب تأثيرك في البيئة. وفي جميع الأحوال فإنَّ الأموال التي يمكن أن تُنفَق على مراقبة المعايير الأساسية الثلاثة قد يكون من الأفضل أن تُستخدَم في مبادراتٍ صديقةٍ للأشخاص – أو للكوكب.

النقاط الرئيسة:

تُعَدُّ المعايير الأساسية الثلاثة إحدى طرائق قياس تأثير المنظمة في الأشخاص، والبيئة، والمال. وترى بعض الشركات أنَّ استخدامها فيما يتخطى الأمور المالية يساعدهما على تحسين الطريقة التي يعاملون من خلالها الأشخاص داخل المنظمة وخارجها وتقليل تأثيرها السلبي في البيئة.

المصدر

 


المقالات المرتبطة