كانت "جينفر برايت رايك" (Jennifer Bright Reich) في الصف الخامس عندما حضرت حفلةً في مدرستها الابتدائية مع أبويها وأختها الصغيرة. وبينما كانت تتبادل الأحاديث مع معلمتها أفشت "رايك" مازحةً أحد أسرار أختها للحاضرين وأحرجتها أمامهم. تقرٌّ "رايك" بأنَّ السر لم يكن محرجاً إلى درجةٍ كبيرة، ولكنَّها إلى اليوم لا تستطيع أن تعيد ما قالته أو حتى تكتبه من دون أن ترتبك وتشعر بالذنب. على الرغم من مرور 36 عاماً على الحادثة، التي لم تعد أختها تتذكرها، إلَّا أنَّها لا زالت تشغل تفكير "رايك" بشكلٍ دائم ويحاصرها الندم في كلِّ مرَّةٍ تتذكرها فيها.

إذا كنت ميَّالاً إلى إعادة التفكير في الأحداث الماضية، أو التعلق والانشغال بها، أو البقاء أسيراً لها، أو أيَّما اسمٍ أحببت أن تطلق على هذه الحالة، التي يُطلق عليها خبراء علم النفس اسم اجترار الأفكار، فإنَّ العديد من مثل هذه الحوادث على الأرجح قد طُبعت في عقلك كالمواعيد النهائية التي فاتتك، واللحظات التي علَّقت فيها تعليقاتٍ فهمها البعض على أنَّها تعليقاتٌ عنصرية، أو متحيزة جنسيَّاً، أو تقلِّل من احترام كبار السن، أو متكبرة، أو غير لطيفة، والفرص التي سنحت لك ولم تستغلها، أو تلك التي استغللتها في البداية ومن ثمَّ أضعتها لاحقاً، ومنشورات الفيسبوك التي كانت تبدو كأنَها تعبِّر عن تكبُّرك، واللحظات التي كان يجب عليك فيها اتخاذ موقفٍ ولكنَّك لم تتخذه. مهما كان ذلك الشيء الذي يشغل تفكيرك فإنَّه سيمنعك من النوم في الليل أو سيوقظك في منتصفه، وسيقتحم أفكارك بشكلٍ مفاجئ بينما أنت تمشي أو تغسل الصحون. وسيجعلك تتفوَّه بتعليقاتٍ قاسية: "أنا غبيٌّ جداً"، أو "بماذا كنت أفكر؟"، أو "يجب أن يكرهني الجميع".

تُعرِّف "سوزان نولن هوكسما" (Susan Nolen-Hoeksema) دكتورة علم النفس في "جامعة ييل" (Yale University) وصاحبة الأبحاث الرائدة في هذا المجال اجترار الأفكار بأنَّه الاهتمام المركَّز الذي يصل إلى درجة الهوى بالأعراض التي يصاب بها الشخص في أثناء مروره بمحنةٍ ما وبأسبابها ونتائجها المحتملة بدلاً من التركيز على التخلص منها. وبلغةٍ أبسط فهو يعني عدم القدرة على التوقف عن التفكير في الجوانب المختلفة لإحدى الحوادث المُحبطة التي واجهتك. فعندما تعود إلى المنزل قادماً من حفلةٍ خيرية لجمع التبرعات وبدلاً من أن ينصبَّ اهتمامك على حجم المال الذي جمعته فإنَّك ستقوم بتحليل المحادثات التي أجريتها وتوبيخ نفسك على التعليقات الغبية، والمحرجة، والتافهة التي تفوَّهت بها. وإذا أخفق العمل الذي بدأت به فقد تقضي سنواتٍ وأنت تعنِّف نفسك بسبب القرارات الخاطئة التي اتخذتها بدلاً من التفكير في الدروس التي تعلمتها والعلاقات التي بنيتها.

لا يتضمن اجترار الأفكار التركيز على الجوانب السلبية فحسب بل إعادتها أيضاً بشكلٍ مستمر. فسواءٌ كانت المحنة التي واجهتك قاسيةً كالطلاق أو عرَضيَّةً كمزحةٍ سخيفة، فإنَّ بقاءك حبيساً لها يعني العيش في لحظات الضعف، سواءٌ الحقيقية أو تلك التي من نسج خيالك، إلى الأبد. تقول "أيرين أوليفو" (Erin Olivo) الأستاذة المساعدة لمادة علم النفس الطبي في كلية الأطباء والجراحين في جامعة كولومبيا في نيويورك وصاحبة كتاب "حياة ذوي العقل الحكيم: أتقن عواطفك، وغيِّر حياتك" (Wise Mind Living: Master Your Emotions, Transform Your): "يؤدي اجترار الأفكار إلى الشعور بالوهن، ففي حين تلتهب عواطفنا وتهمد بسرعةٍ نسبيَّاً في الظروف العادية، يُعيد اجترار الأفكار إحياء المشاعر نفسها كالخجل، والحزن, والغضب مراراً وتكراراً. فليس ثمَّة فرقٌ من الناحية العاطفية من وجهة نظر عقلك بين أن يعيش حدثاً سلبيَّاً أو أن يفكر فيه. وعندما تنشط هذه العواطف السلبية بشكلٍ مستمر فإنَّ ذلك يؤدي إلى الشعور بالضغط". فقد وجدت الدراسات التي أجرتها "نولن هوكسما" أنَّ "اجترار الأفكار يسبق حوادث الاكتئاب ويجعلها تمتد فترةً أطول. كما يرتبط التفكير الدائم في الأخطاء الماضية ارتباطاً وثيقاً بالإفراط في تناول الطعام، والإفراط في شرب المشروبات الكحولية، وإيذاء النفس.

"تنشأ المشكلة عندما يتحول التفكُّر إلى اكتئاب":

قبل التفكير في موضوع اجترار الأفكار تذكَّر أنَّ التفكير في الأحداث الماضية يُعدُّ جزءً طبيعياً من العادات التي تكيَّف عليها البشر. فقد استخدم "جودسون برور" (Judson Brewer) الأستاذ المساعد لمادتي الطب والطب النفسي في كلية الطب في جامعة ماساشوستس في دراسةٍ أجراها التصوير بالرنين المغناطيسي لاكتشاف تأثير ممارسة الوعي التام (mindfulness) على عقول المشاركين في هذه الدراسة. وعندما طَلب من المشاركين الاسترخاء وعدم التفكير في شيءٍ معيَّن أظهرت الصور أنَّ عقولهم التي من المفترض أن تكون في حالةٍ من الراحة كانت في الواقع قلقةً وتعيد اجترار الأفكار. فعندما تغيب المحفزات، والتهديدات، والمهام يعود العقل إلى الأحداث الماضية أو يقفز إلى الأحداث المستقبلية باحثاً عن المشاكل.

في تلك اللحظات القليلة التي كان يقضيها أسلافنا القدماء بسلامٍ وحيدين كان ما يُطلق عليه علماء الأعصاب اسم "شبكة الوضع الافتراضي" (default mode network) هو من شكل الفارق بين الحياة والموت. فبسبب هذه الشبكة بدأ أسلافنا يفكرون مثلاً في عدم تناول ذلك التوت ذي اللون الأرجواني مجدداً أو في الصراخ عالياً عندما يرون نمراً. ويبقى التأمل وإعادة التفكير ضروريَّيْن أيضاً في أيامنا هذه عند السعي إلى حل المشاكل أو التحسُّن على الصعيد الشخصي. حيث تُبيِّن التجارب أنَّ تفكُّر الشخص في ذاته يرتبط في الواقع بانخفاض مستويات شعوره بالضغط.

وازن بين الفوائد الصحية لكأسٍ من القهوة كل عدة أيام وبين الإدمان على القهوة. فالمشكلة تنشأ عندما يتحول التفكُّر إلى تفكير مبالغٍ يجرُّ صاحبه إلى الاكتئاب. فالاعتدال أمرٌ ضروري، ولكنَّ طبيعة تفكيرك تحمل الأهمية نفسها أيضاً. تقول "ويندي ترينور" (Wendy Treynor) عالمة علم النفس الاجتماعي وصاحبة كتاب "هدية السرطان: حول مأساتك إلى كنز... خريطة الكنز التي ستقودك إلى السعادة" (The Gift of Cancer: Turn Your Tragedy into a Treasure... A Treasure Map to Happiness!) والتي شاركت في إجراء الأبحاث التحليلية إلى جانب "نولن هوكسما" في عام 2003: "يترافق الاكتئاب مع محاسبة الذات، على عكس التفكر الذي يميل بشكلٍ أكبر نحو تقبُّل الذات بدلاً من نقدها". فاسأل نفسك: هل يُعدُّ التفكير في الماضي أمراً بنَّاءً؟ وهل تبحث في أثناء تفكيرك في الأحداث الماضية عن طرائق لتجنُّب التجارب المخفقة في المستقبل أو التعامل وإيَّاها بشكلٍ أفضل؟ أو أنَّه لا مانع عندك من التفكير في الإخفاقات بشكلٍ دائم؟

لا يُعدُّ المضي نحو الأمام وعدم الالتفات إلى الماضي دائماً الترياق الشافي لجميع القضايا المتعلقة بالصحة العقلية، ولكن عندما يتعلق الأمر باجترار الأفكار فإنَّ هذا ما يجب علينا فعله. بالطبع تطبيق ذلك بشكلٍ عملي ليس أمراً سهلاً إذا كان عقلك معتاداً على مثل هذه الأفكار المُكرَّرة. حيث تقول "رايك" عن اعتيادها على التفكير في الأحداث الماضية: "إنَّ الأمر أشبه ما يكون باحتجاز الدماغ داخل دوامةٍ لا نهاية لها وعدم القدرة على الخروج منها". عندما تكون حبيس تلك الدوامة ستكون في حاجةٍ إلى تكريس وقتك وجهدك للخروج منها. ولكن يمكنك استخدام التكتيكات الآتية للوصول إلى ذلك:

1- صحح أفكارك:

لا يتوقف الأمر عند "رايك"، ذات الخمسة والأربعين عاماً، على تذكُّر حادثة أختها فقط. ففي أثناء قيادة السيارة، أو غسل الملابس، أو الجلوس خلف الكمبيوتر تتذكر "رايك" جميع المحادثات التي شاركت فيها في الأسبوع الماضي وتنتقي منها أيَّ شيءٍ شعرت أنَّه كان فظَّاً. حيث تقول: "لقد كنت أوبِّخ نفسي بشكلٍ مستمر عندما كنت أشعر بأنَّني قلت أمراً غير مقبول". أدى قيامها باجترار الأفكار إلى شعورها بالقلق حيال علاقاتها الاجتماعية المستقبلية وأثَّر ذلك من ثمَّ في عملها. وتضيف: "لقد كنت أشْغَل عقلي بالتفكير في العديد من الأحداث الماضية وفي الشعور بالندم لأنَّني لم أكن قادرةً على التركيز على كتابتي وعملي. أعتقد بأنَّ تفكيري كان محدوداً". أسَّست "رايك" موقع (MommyMDGuides.com) وألَّفت سلسة من الكتب التوجيهية التي تتضمَّن نصائح حول الحمل وتربية الأبناء تقدِّمها أمَّهاتٌ يعملن طبيبات. تساءلت "رايك" لماذا لا تقوم بتصحيح أفكارها مثلما تفعل مع كتاباتها كلَّ يومٍ في أثناء العمل؟

الآن عندما تأتيها تلك الأفكار الاجترارية التي اعتادت على ترديدها: "يا ألهي، لم يكن يجب عليَّ أن أقوم بذلك"، أو "أنا مُحرَجةٌ للغاية" تقول بينها وبين نفسها "حذف، حذف، حذف". وتضيف: "ثمَّ أكتب أفكاراً جديدة: "فلأمضي قُدُماً، ما الذي يمكنني تعلُّمه من تلك الحادثة؟ كيف يمكنني أن أتصرف بشكلٍ أفضل في المرة القادمة؟". قلَّلت هذه الطريقة المبتكرة التي استعملتها "رايك" مع مرور الوقت من اجترارها للأفكار وأصبحت استراتيجيةً مُعتمدةً من قِبَل الخبراء. فالخطوة الأولى نحو الخروج من دوامة التفكير في الأحداث الماضية هي إدراك أنَّك تجتر الأفكار كما فعلت "رايك". حيث تنصح "أوليفو" مرضاها بتدوين المواعيد التي يبدؤون فيها بتذكر الأحداث الماضية وأسباب قيامهم بذلك. ما الأحداث التي تفكر فيها؟ وماذا كنت تفعل عندما بدأتَ بالتفكير فيها؟ وكم استغرق التفكير فيها؟ تقول "أوليفو": "إنَّ الخطوة الآتية بعد مجيء هذه الأفكار هي إيقافها وتحويل الانتباه نحو شيءٍ آخر". فإذا كنت تعمل فانشغل بعملك، أو إذا كنت في سريرك أو لا تقوم بعملٍ مهم فاشغل عقلك "بمهام تحتاج إلى تفكير وبعيدةٍ عن العواطف" كما تقترح "أوليفو". من الأمثلة على هذه المهام: ذِكْر أسماء البلدان حسب الترتيب الأبجدي، أو العد العكسي، أو تسمية أكبر عدد ممكن من الشخصيات المشهورة. وتضيف "أوليفو": "يجب أن تكون المهمة حياديةً بشكل كبير إذ إنَّ مهامَّ مثل وضع قائمة بالخضروات التي تحتاج إليها أو قائمةٍ للمهام يمكن أن تعود بك إلى التفكير السلبي في الأحداث الماضية".

2- أطِّر تفكيرك:

ليس من الضروري أن تتخلى عن التفكير بشكلٍ نهائي. ولكن يمكنك تخصيص وقتٍ محدد للتفكير في الإساءات، وخيبات الأمل، والمواقف المحرجة التي واجهتها في أوقاتٍ سابقة. فبدلاً من السماح لأفكارك بأن تشطح بعيداً عندما تتذكر ذلك العميل الذي خسرته أو المحادثة الفظة التي دارت بينك وبين أستاذ ابنك، رتب أفكارك ونظمها. تقول "أوليفو" إنَّ تدوين الأفكار يمكن أن يحمل الفائدة في هذا السياق. حيث تفضِّل "أوليفو" إنشاء قائمةٍ مكونةٍ من أربعة أجزاء تتضمن الإيجابيات والسلبيات: إيجابيات خسارة العميل على سبيل المثال وسلبيات ذلك (أصبح لديك الآن مزيد من الوقت لتقضيه مع أطفالك، ولكنَّك فقدت الأرباح التي كنت تجنيها من وراء ذلك الزبون)، ثم تدوين الإيجابيات والسلبيات التي كان من الممكن يحملها لنا بقاء العميل (لن ينخدش كبرياؤك، ولكنَّك أيضاً لن تتمكَّن من تعلم بعض الدروس المهمة التي تعلمتها من خسارة العميل). تقول "أوليفو": "قد تشعر بأنَّ القيام بهذا أمرٌ مملّ، ولكنَّه سيساعدك بالتأكيد على التفكير بشكلٍ عملي من دون أن يحيد قطار أفكارك نحو السلبية". قد يكون طلب المساعدة من الآخرين حلَّاً سريعاً حتى وإن كنت تعتقد أنَّ ما تفكر فيه أمرٌ سخيف. ولكن تأكّد من أن يكون الشخص الذي تختاره شخصاً موضوعيَّاً، وداعماً، وأهلاً للثقة، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الشخص زوجتك أو زوجَكِ. كما تحذر "أوليفو" من اختيار شخصٍ ينتحب على مأساتك ويشاركك اجترارها.

3- اهتمَّ بالحاضر:

تساعدك أيضاً مشاركة الآخرين أفكارك على ربط مآسيك ومشاكلك مع مآسي الآخرين ومشاكلهم. فجميعنا بشرٌ خطاؤون في النهاية ونشعر بالغضب، والحزن، والخجل في بعض الأحيان. حيث تقول "كريستن نيف" (Kristen Neff) الأستاذة المساعدة في قسم التعليم في جامعة تكساس (University of Texas) وصاحبة كتاب "التعاطف مع الذات: الطاقة التي ستشعر بها عندما تكون لطيفاً مع نفسك" (Self-Compassion: The Proven Power of Being Kind to Yourself) أنَّك عندما تدرك بأنَّك تتشارك مع البشر في المآسي والمشاكل فإنَّ ذلك يخفف عنك الشعور بالحزن. وتعتقد "نيف" الباحثة في مجالَي التعاطف مع الذات والوعي التام أنَّ تَقبُّل فكرة وجود هذه القواسم المشتركة البدائية بيننا نحن البشر ضروريٌّ من أجل العيش في الحاضر بدلاً من التفكير في الماضي.

يقول "جون كابات زين" (Jon Kabat-Zinn) الرائد في مجال الوعي التام وصاحب برنامج تخفيف الضغط بالاعتماد على الوعي التام (Mindfulness-Based Stress Reduction program) الذي أُقيم في كلية الطب في جامعة ماساشوستس (University of Massachusetts) مقولته الشهيرة في عام 1979: "يمكننا التوقف عن النظر إلى العالم من منظارٍ شخصي". حيث تقول "نيف": "يُعدُّ الوعي التام الترياق المضاد لاجترار الافكار". ولكن لماذا؟ لأنَّ اجترار الأفكار يؤدي إلى الشعور بالضغط والذي أثبتت دراساتٌ عديدة قدرة الوعي التام على تخفيفه. وانخفاض الشعور بالضغط يؤدي بدوره إلى انخفاض الشعور بالاكتئاب. فقد خلصت دراسةٌ أُجريت في العام 2010 إلى نتيجةٍ غير متوقعة وهي أنَّ لممارسة الوعي التام تأثيراً فعالاً يضاهي تأثير الأدوية المضادة للاكتئاب, ويفوق تأثير العلاج الوهمي (placebo) في الأشخاص الذين عانوا في الماضي من أعراض الاكتئاب. تقول "نيف": "يتيح لنا الوعي التام والحضور الذهني الابتعاد عن التركيز على الماضي والمستقبل والانفتاح على ما بين أيدينا في الوقت الحاضر".

ولكن كيف تصبح أكثر وعياً؟ يمكنك أن تبدأ من خلال تحميل تطبيق الوعي التام (Mindfulness App) الذي يبلغ سعره 2.99 دولاراً، أو البحث عن برنامج "كابات زين" عبر موقع (MindfulnessCDs.com), أو عن طريق حضور دروس في التأمُّل. يتضمن الوعي التام بشكلٍ عام التركيز على نفسك، والانتباه خلال كل لحظة إلى ما تشعر به حواسك كرائحة المطر، والرياح الباردة، وطعم معجون الأسنان، وتقدير الأشياء، أو الأشخاص، أو التجارب التي تحسِّن حياتك في كل لحظةٍ حقَّ قدرها. حيث تنصحك "نيف" أن تجذب نفسك نحو الحاضر عندما تشعر بأنَّك منشغلٌ بالماضي من خلال الجلوس بسكينة طيلة خمس دقائق ومراقبة جميع المناظر، والأصوات، والروائح، والأحاسيس التي حولك. والمُلفت للانتباه أنَّ مبادئ الوعي التام تؤكد أنَّ أفكارك لا تعبِّر عنك. فقد تحدِّث نفسك مراراً وتكراراً بأنَّك كنت غبيَّاً عندما حاولت كتابة ذاك الكتاب، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني أنَّك غبي. كما تشير فلسفة الوعي التام إلى أنَّ أفكارك هي نسماتٌ عابرة. عندما تصدق ذلك من الصعب عندئذٍ الوقوع في شباك الأفكار السلبية. وتُساعد ممارسة الوعي التام أيضاً على التخلص من الاكتئاب.

4- تجاهَل:

بعد أن تخرَّجت من جامعتها، عملت "ميجان واتسون" (Maegan Watson) مصممةً للأزياء في شركة أزياء ناشئة وهو العمل الذي كانت تحلم به طيلة حياتها. ولكن بعد أن بدأت بالعمل خابت آمالها, لأنَّه كان يجب عليها أن تكون جاهزةً لخدمة رئيسها وعملائها على مدار الساعة وطيلة أيام الأسبوع. كما كانت البيئة التي تعمل فيها مشحونةً، ومفعمةً بالغيرة، والشك، والانتقاد. لقد كانت "واتسون" تحرم نفسها من النوم في سبيل العمل، حيث تقول: "لقد كنت شابةً، ولم أكن أفهم ما مدى أهمية اعتناء الإنسان بنفسه". لم تغادر "واتسون" عملها حتى اشتد عليها المرض وشخَّص الأطباء في النهاية إصابتها بالآلام العضلية الليفية. لقد حمَّلت نفسها مسؤولية ما مرت به ومسؤولية تدهور وضعها الصحي. لقد كانت تعتقد أنَّه كان يجب عليها أن تكون أكثر جرأةً وحيوية. على الرغم من أنَّ "واتسون" افتتحت بعد ذلك شركةً للتجارة الإلكترونية بالاشتراك مع أحد أصدقائها، إلَّا أنَّ الشكوك بقيت توقظها في منتصف الليل: "لماذا أسمح للعملاء بتحديد شكل حياتي؟ لماذا أسمح لهم بأن يعاملوني بهذه الطريقة السيئة؟". تقول "واتسون": "لقد كنت مستاءةً جداً من نفسي ومن الآخرين".

بعدما عاد إليها الألم العضلي استخدمت "واتسون" العلاج عن طريق اليوجا وتعرفت عن طريق ذلك على الوعي التام والتعاطف مع الذات، حيث تقول: "خلال 24 ساعة من عودتي إلى المنزل بِعتُ حصتي في الشركة إلى شريكي بأقل من قيمتها، وبدأت مع زوجي جلسات علاجٍ عائلي. لم أكن لأنجح على الصعيد الشخصي وعلى صعيد العمل لو لم أتعلم كيفية تجاوز تجربة العمل الصادمة التي مررت بها والتوقف عن تأنيب نفسي بسببها". لقد أخذت "واتسون" إجازةً لتستعيد صحتها وتتحكم باجترار الأفكار. لقد كانت تقضي الكثير من الوقت في الكتابة، حيث تقول: "لقد أصبحت قادرةً من خلال كتابة أفكاري على فهم الأحداث الماضية، وأدركت أنَّ أفكاري وسلوكاتي كانت مبنيةً على الخوف لا على الواقع". كانت تحاول أيضاً مسامحة رئيسها وزملائها السابقين من خلال كتابة رسائل تعبِّر لهم من خلالها عن عفوها عنهم من دون أن ترسل إليهم تلك الرسائل. حيث تضيف: "أذكِّر نفسي دائماً بمقولة "يبذل الجميع دائماً أقصى ما يستطيعون"، عندما أسمع ذلك تخف حدة شعوري بالاستياء وأشعر براحةٍ أكبر". بدأت "واتسون" مع زوجها بعد عدة شهور مشروعاً جديداً حيث قاموا بإنشاء شركة لبناء الخِزانات والتي ما زالت تحقق النجاح منذ ثلاث سنوات وحتى الآن. حيث تقول عن النجاح الذي حققته: "لقد تتطلب مني الوصول إلى هنا التزام عدم السماح لتلك الأفكار بالتأثير في عملي الحالي. لقد سعيْتُ في كلِّ يومٍ إلى تجاهل الماضي والعيش في الحاضر". تقول "نيف" إنَّ الإخلاص، ومسامحة الآخرين، واليوجا، والوعي التام، والكتابة، والخضوع للعلاج كانت جميعها طرائق استخدمتها "واتسون" لتتعاطف مع ذاتها. وتضيف "نيف": "إنَّ التعاطف مع الذات أساسيٌّ في الوقت الحاضر لكي تعيش حياةً مِلؤها السعادة والعطاء. أحياناً لا نصدق الآخرين عندما يحاولون طمأنتنا" ونعتقد بأنَّهم يقولون ذلك ليجعلونا نشعر بالتحسُّن، فعندما نسمع شخصاً آخر يتكلم عن موهبتنا فإنَّ ذلك لا يؤثر فينا بالقدر نفسه الذي يفعله إيماننا نحن بكفاءتنا.

تنصحك نيف عندما تجد نفسك حزيناً أن تحاول أن تكون لطيفاً مع نفسك، ضع يدك على قلبك وقل كلماتٍ لطيفة بنبرةٍ لطيفة. تعترف "نيف" بأنَّ ذلك قد يبدو سخيفاً ومحرجاً، ولكنَّ تأثيره عميقٌ في النفس كما أثبتت ذلك الدراسات التي أُجريت خلال العقد الماضي، حيث تقول: "تُعَدَّ اللمسة، لا سيما تلك اللمسة الدافئةً واللطيفة، إلى جانب الكلمات اللطيفة مفيدةً لنظام الرعاية الموجود عند الثدييَّات، كما يساعد ذلك على إطلاق هرمون الأوكسيتوسين (وهو هرمون الحب الذي يخفف الشعور بالقلق ويقوي المشاعر والروابط). لذلك حتى ولو اعتقد عقلك بأنَّ الأمر سخيف إلَّا أنَّ ذلك سيجعله يشعر بمزيدٍ من الأمان وسيخف حجم شعوره بالتهديد". تنصحك "نيف" بأنَّ تتعامل مع نفسك بالطريقة نفسها التي تتعامل فيها مع صديقك المُقرَّب أو مع طفلٍ صغير. فقد كان وجود الأطفال في حياة "رايك" السبب وراء قرارها بالتحكم باجترارها للأفكار، حيث تقول: "سأشعر بالصدمة إذا عاملوا أنفسهم بالطريقة التي كنت أعامل بها نفسي عندما كنت أفكر في الأحداث الماضية. لقد رغبت في أن أكون أفضل مثالٍ يُحتذى بالنسبة إليهم".

 

المصدر: هنا


المقالات المرتبطة