تحدثت في مقال سابق عن قضية المرأة التي طلقها زوجها عندما أرسل له صديقها السابق صورها التي لديه، وتكرّر معها نفس السيناريو مع الزوج الثاني بعد ثلاث سنوات، ولو كان المحامي محترفاً في الجرائم المعلوماتية لاستطاع إقناع القاضي بضرورة تعديل صيغة الحكم لقطع جذور المشكلة.

ولكن المؤسف حقا أن هذا السيناريو لا يزال يتكرر  في محاكمنا على الرغم من وجود محامين.

والمشكلة تكمن أنّ السواد الأعظم من المحامين يركزون على الجانب القانوني فقط لتطبيق النظام أو نصوص المواد وشرحها،  وإذا ما أدركنا أن الدور الأكبر للمحامي يكمن في إثبات براءة موكلة أو إثبات إدانة الجاني فإن هذا الأمر يتطلب من المحامي أن يكون عارفاً من أين تؤكل الكتف.

ولنأخذ هنا بعض الأمثلة السريعة:

1- إذا كان المحامي لا يدرك خصائص بروتوكول الانترنت الشهير IPV4  وكيفية عمله فكيف يستطيع أن يثبت قضية تهديد بالقتل وصلت إلى ايميل موكله؟

-2 إذا كان المحامي لا يتصوّر معنى الـ MAC  فكيف يستطيع أن يطالب بتفتيش جهاز معين في قضية ابتزاز؟

3- تفاجأت ببعض القضايا التي ورد فيها ابتزاز أن المحامي يطلب من القاضي أن يقوم المتهم بعمل FORMAT لجهازه !!!  ولا أشعر إلا أن ذلك المحامي قدّم هدية للجاني على طبق من ذهب. فإذا كان المحامي لا يدرك أن هذا الأمر يمكن استرجاعه فتلك مصيبة، وإذا كان يدرك ويطالب به فالمصيبة أعظم !!

4- إذا لم يدرك المحامي خصائص الأنظمة السحابية وآلية مزامنتها وإدارة المزامنة فلن يستطيع حتماً أن يطالب بإزالة أدوات قضايا الابتزاز في قضية ما. 

 -5إذا لم يدرك المحامي الإجراءات التي يمكن أن يطالب بها في التحقيق باستخدام تقنيات الفحص مثلEnCase  أو غيرها فلن يستطيع إثبات سرقة مالية من حساب بنكي عبر الانترنت.

ولك أن تتخيل عشرات بل ومئات القضايا التي تبدأ ثم تنتهي أحكامها دون أن تنتهي معاناتها.

إنني أدرك جيدا أن المحقق وقاضي التنفيذ شركاء فيما أقول لكن المحامي هو الورقة الوحيدة التي يتشبث بها المتهم دائماً لتتحقق له البراءة. كما أنه الجانب الأكبر رعباً لدى الجاني.

لقد رأيت شخصياً من خلال الدورات التدريبية واللقاءات التي أحضرها الكثير من المحامين ممن يتمتعون بشغف الاطلاع وروح المعرفة ويتقنون جيداً مرافعات الجرائم المعلوماتية وأهم خصائصها وبنودها وهم نخبة تشكر جهودهم. ودعوتي من خلال هذا المقال لبقية المحامين أن يحذوا حذوهم  لأننا بحاجة ماسة إلى أمثالكم فالجرائم المعلوماتية تتضاعف يوما بعد يوم.

ودعوتي لكم هنا ليس لتغيير التخصص إنما لتنمية المهارات وحث الجهود ورفع مستوى المعرفة، فقد قيل قديماً: المعرفة قوة. وبالمقابل قيل أيضاً: فاقد الشئ لا يعطيه.

شكرا لكم أيها المحامون وشكراً لعقولكم الرائعة التي ساهمت في تحقيق العدالة في العالم.