لو لم يسقني القدر الحكيم إلى تلك الدورة التعليمية العلاجية عن العلاج بواسطة الاستثارة الثنائية لحركة العين (EMDR) لما عرفت تلك القدرة السريّة الرهيبة التي يمتلكها الدماغ البشريّ في معالجته للصدمة، وفي تأهيله للإنسان مرة أخرى، وأخرى، وأخرى، ولا نهائية، لمواصلة الحياة على أحسن نحو ممكن.

ولولا تلك الدورة، لبقيت معارفي وأدواتي العلاجية ناقصة، ولظللت معتقدا باقتصار الشفاء على الأدوات الروحية والنفسية المعروفة والشائعة مثل التحكم بالوعي، ومثل تحفيز الإرادة، ومثل تحرير التنفس عبر حركات رياضية منظمة، ومثل جلسات العلاج النفسي التقليدية... الخ. وهي أدوات رغم أهميتها الفائقة، ورغم عدم استطاعتنا الاستغناء عنها بأيّ حال من الأحوال، إلا أنها جميعا لا تملك إلاّ أن تقف احتراما، وانبهارا، وانتباها، عند اكتشاف سرّ جديد من أسرار الدماغ البشري المعجز.

الآلام التي تعالَج بواسطة الحركة الثنائية العين

تستطيع هذه التقنية معالجة جميع أنواع الصدمات النفسية من أصغرها إلى أكبرها. فهي تعالج الآلام والاضطرابات النفسية الناجمة عن العنف اللفظي تجاه الإنسان، كما تعالج الآلام والاضطرابات النفسية الناجمة عن تحقير الإنسان!

وهي تعالج الآلام والاضطرابات النفسية الناجمة عن الاعتداء البدنيّ، أو التحرّش الجنسيّ، مهما كان عمر الضحيّة أو جنسها، كما تعالج الآلام والاضطرابات النفسية الناجمة عن الاعتقال التعسفي من قبل السلطة المحتلة، أو السلطة القمعية!

وهي تعالج الآلام والاضطرابات النفسية الناجمة عن التعذيب المنظم من قبل السلطة المحتلة، أو السلطة القمعية، كما تعالج هذه التقنية الوسواس القهري، وغير القهري، الذي يهاجم الشخص ولا يعرف كيف يتخلّص منه بشكل جذري!

إنّها طريقة علاجية لجميع الأعمار والحالات، ولديها المقدرة على النفاذ العلاجي إلى كثير من أنواع الاختلالات، والاضطرابات، والوساوس التي تطال الإنسان نفسه.

وقد حقّقت تلك الطريقة نجاحا كبيرا على مستوى العالم رغم حداثة عمرها، حيث جرّبت على نطاق واسع في مناطق الحروب والتعذيب مثل فلسطين والعراق،  وكذلك في مناطق العالم التي نكبت بالزلازل والكوارث الطبيعية.. ومن أشهر المعالجين بتقنية ال EMDR  في فلسطين المعالجة سعاد متولي بدران، وخضر رصرص، ومنى الهودلي، وآخرون.

خطوات العلاج بواسطة الحركة الثنائية العين

يجلس طالب العلاج جلسة مريحة على مقعد مريح، ويجلس أمامه المعالج جلسة مريحة على مقعد مريح، ويكون مقعدا الطرفين متوازيين على شكل سفينتين متعاكستي الاتجاه، ثم يهيئ المعالج، طالب العلاج (المنتفع)، نفسيّا من خلال طمأنته إلى المكان، وطمأنته إلى خصوصية الجلسة وسريّتها، ويطلب منه أخذ نفس عميق هادئ، وأن يستحضر (مكانا آمنا) متخيّلا يختاره المنتفع (ويذهب إليه) عندما يطلب منه المعالج ذلك.

يطلب المعالج من المنتفع أن يغمض عينيه، ويذهب إلى المكان الآمن، ثم يفتح عينيه ويتابع بعينيه فقط حركة يد المعالج يمينا ثم يسارا، يقوم بها المعالج 6-4 مرات بسرعة عادية، ويكون مركزها أعلى أنف المنتفع، ولا يتكلّم المنتفع والمعالج أثناءها، ولا يحرّك رأسه، بل عينيه فقط. (توضيح: عدد المرات يقصد به أن الحركة من اليمين إلى الشمال هي مرة واحدة).

يطلب المعالج من المنتفع أن يستحضر الصورة الأليمة، وأن يتابع بعينيه حركة يد المعالج الترددية التي سيقوم بها المعالج الآن بمعدل 24- 32 مرة بسرعة تتفاوت بين سريعة وعادية وبطيئة، اعتمادا على النسبة المطلوبة لاستثارة الحساسية. ففي هذه المرحلة تحديدا يتمّ العلاج ( إزالة الحساسية) وينبغي أن تكون حركة يد المعالج فيها سريعة لا بطيئة، خلافا لمرحلة التحضير والتهيئة.. ولا يتكلم الطرفان أثناء ذلك، لأنّ الكلام يعيق العملية العلاجية التي يقوم بها الدماغ.

يتوقف المعالج ويسأل المنتفع: ما هو آخر شيء رآه أو شعر به؟ أو ما الذي طرأ على الصورة من تغييرات في عناصرها أو في لونها أو في حجمها؟اقرأ ايضا :
معالجة الصدمة النفسية بالحركة الثنائية للعين ...

قد تُحيل الصورة (أو بالأحرى المعالَجة) إلى صور وذكريات أخرى متعلقة أو غير متعلقة بالموضوع، بسبب اتصال الصور جميعا بشبكات واسعة في الذاكرة الدماغية، هذا أمر طبيعي.. يتابع بعده المعالج العلاج بالطريقة ذاتها، أي بمعدل 24-30 مرة، ثم يتوقف المعالج ويسأل المنتفع عن التغييرات الجديدة التي طرأت على الصورة [ واعتمادا على الوضع النفسي للمنتفع، ومع مراعاة عالية لعدم دخول المنتفع في حالة انفصال، يمكن للمعالج أن يحثّ المنتفع على تغيير الصورة بنفسه، مثل تفريغ الشخص الموجود في الصورة بحيث يصبح مجوّفا فارغا، أو تلوينه بالأبيض والأسود، أو تصغير حجمه، أو تجسيمه بلا عضلات، أو وضع حاجز بينك وبينه..].

كما يفيد أن يُذكّر المعالجُ المنتفعَ بين حين وآخر بأنّ تلك الصورة هي من الماضي وأنّه موجود (الآن) و(هنا) وفي أمان، أو يقول له: "أنت تشاهد فيلما على جهاز فيديو والريموت بيدك أنت"! أو: "أنت تسير في قطار وقد عبر القطار تلك المحطة!" أو: "غيّر لون الصورة إلى أبيض وأسود"... الخ]. وهكذا دواليك يستمرّ المعالج في العلاج، متتبّعا التغييرات التي تطرأ على الصورة الأولى حتى تتغيّر، فيقوم المعالج بتثبيتها.:

لكن قبل التثبيت يحتاج المعالج إلى أن يسأل المنتفع عن درجة تحسسّه من الصورة الأساسية التي لن تعود بالشكل القديم نفسه، فإذا لم تصل إلى صفر من عشرة تكون المعالجة غير مستوفاة بعد، وعلى المعالج أن يستمرّ في العلاج حتى لو تطلّب الأمر أكثر من جلسة.

ولأنّ العلاج النفسي ليس بالأمر السهل، على المعالج أن يظلّ متيقّظا تجاه كلّ ما قد يطرأ على شخص المنتفع من تغييرات سلبية، أو أزمات، أو تشنجات قد يفضي إليها العلاج، وهذا أمر ممكن الحدوث، نظرا لارتباط الصورة أو الحدث بشبكات ذاكرة كثيرة المحتوى من صور وأحداث ستتداعى أثناء العلاج، وهنا قد يضطرّ المعالج إلى الوقف المؤقّت للعلاج، وسحب المنتفع إلى (المكان الآمن).

ومن الضروريّ أثناء المعالجة، أن يمنح المعالجُ المنتفعَ إحساسا بالثقة بأنه قادر على السيطرة، وأنه هو نفسه جزء من العلاج. ولا ينتهي المعالج من علاجه قبل أن يهيئ المنتفع لكيفية التعامل مع مواقف شبيهة في المستقبل