هل يمكنك أن تتخيل شراء سيارةٍ من دون أن تجرب قيادتها أولاً؟ أو شراء منزلٍ من دون استكشاف غرفه أولاً؟

في حياتنا اليومية من البديهي التحقق من المنتجات والنظر إليها من مختلف الزوايا قبل إنفاق نقودنا عليها، حيث يساعدك هذا على التحقق من أنَّك تتخذ الخيار الصحيح.

إنَّ الأمر نفسه يجب أن ينطبق أيضاً على البدء بعملٍ ما، أو إطلاق منتجٍ أو مشروعٍ جديدَيْن. فأنت تحتاج إلى التعامل مع الأمر بشكلٍ دقيق وأن تتحقق منه من مختلف من النواحي. ففي النهاية قد تكون قد أوشكت أن تستثمر عدة سنواتٍ من حياتك في هذا المشروع وسيكون من المزعج إذا ما أخفق المشروع لأسبابٍ كان من الممكن التنبؤ بها في البداية.

يساعدك نموذج المجالات السبعة لـ "مولنز" على استكشاف تأثير سبعة عوامل رئيسة – أو "مجالات" – ضمن مشروعك الذي تخطط له. وسيساعدك هذا بدوره على التفكير فيما إذا كانت فكرة هذا المشروع قابلةً للتطبيق. وسنلقي في هذا المقال نظرةً على هذه المجالات السبعة وسنقدم أسئلةً وأدوات يمكنك استخدامها لاستكشاف فكرة العمل الذي ستقوم به.

حول الأداة:

طوَّر "جون مولنز" (John Mullins) رائد الأعمال والأستاذ في كلية لندن للأعمال نموذج المجالات السبعة ونشره في العام 2003 في كتابه الذي يحمل عنوان "اختبار قيادة العمل الجديد" (The New Business Road Test). لقد وُضِع هذا النموذج لرواد الأعمال المهتمين ببدء أعمال جديدة. بيد أنَّك تستطيع استخدامه أيضاً في منظمتك لتحديد إذا ما كنت ستطرح منتجاً جديداً أو لا أو إذا ما كنت ستطلق مشروعاً جديداً أو لا. لقد صُمِّم المنتج الذي يظهر في الصورة1  لكي يُستخدَم قبل كتابة خطة عمل.

الصورة1 – مجالات مولنز السبعة

يقسِّم النموذج مشروعك الجديد المُحتمل إلى سبعة "مجالات": أربعةٍ منها تتعامل مع جوانب سوقك وعملك ذات النطاق الضيق وذات النطاق الواسع وثلاثةٍ تركز الاهتمام على فريقك. فعندما تنظر إلى كلِّ واحدٍ من هذه المجالات وتطرح أسئلةً أساسية عن كلِّ واحدٍ منها ستتكون لديك فكرةٌ أوضح عن احتمالية نجاح فكرة العمل الذي ستقوم به. وستحدد أيضاً التحديات المحتملة التي ستحتاج إلى التعامل وإيَّاها عندما تضع خطة عملك. ويُعَدُّ هذا ذا أهميةٍ خاصة إذا كنت تحتاج إلى تمويلٍ خارجيٍّ لمشروعك.

ملاحظة:

يُستخدم مصطلحا "السوق" (market) و"العمل" (industry) في بعض الأحيان أحدهما بدلاً من الآخر، وكلٌّ منهما يحمل معنىً مختلفاً تماماً عن المعنى الذي يحمله الآخر. "فسوقك" هي الأشخاص الذين يشترون منتجك أو خدمتك، أو الذين سيشترونهما. أمَّا "عملك" فهو مجموعة من الباعة، الذين يكونون منظماتٍ في أغلب الأحيان، يقدمون منتجاتٍ أو خدماتٍ مشابهةً لمنتجاتك وخدماتك. فهُم منافسوك.

التعامل مع المجالات السبعة:

فلنلقِ نظرةً على المجالات السبعة ولنستكشف كيف يكون في إمكانك استخدامها لتحليل مشروعك المحتمل:

مجال السوق/المستوى الواسع (Market Domain/Macro Level): جاذبية السوق (Market Attractiveness)

يتعامل هذا المجال مع جاذبية السوق من منظورٍ شامل. انظر إلى السوق بأكمله، ما مدى ضخامة هذه السوق فيما يتعلق بعدد الزبائن، وقيمة المبيعات، وكمية الوحدات التي يتم بيعها؟ ومن ثمَّ انظر إلى التوجهات السائدة ضمن السوق، فهل نمت السوق خلال السنوات الأخيرة؟ وإذا كان الجواب نعم فهل من المحتمل أن يستمر هذا النمو؟

ما تقوم به هنا هو أنَّك تتحقق من أنَّ السوق كبيرةٌ بما يكفي لمنحك النمو الذي ترغب فيه ومن أنَّها تنمو بطريقةٍ صحية – وفي النهاية فإنَّ رعاية عملٍ ما في سوقٍ نامية أسهل بكثير من رعايته في سوقٍ ذات أداءٍ متدنٍّ. استخدم أيضاً تحليل بيست لاستكشاف العوامل ذات النطاق الواسع التي تؤثر في سوقك. هل تبدو هذه العوامل بحالةٍ صحية؟

مجال السوق/المستوى الضيق (تحليل بيست PEST Analysis): فوائد القطاع السوقي وجاذبيته (Sector Market Benefits and Attractiveness)

من الناحية الواقعية ليس من المحتمل أن يلبي مشروعك احتياجات جميع الأشخاص في السوق. ولكنَّك ستكون أكثر نجاحاً إذا وجَّهت فكرتك نحو قطَّاعٍ واحد من قطاعات السوق وسعيت إلى تلبية احتياجاته بشكلٍ كامل. ولتحديد هذا القطاع انظر إلى السوق على المستوى الضيق وفكِّر في الأسئلة الآتية:

  • أي قطاع من قطاعات السوق يتمتع بالفرصة الكبرى في الاستفادة من مشروعك؟
  • كيف يختلف مشروعك أو منتجك عن مشاريع الآخرين ومنتجاتهم والذين سبقوك إلى تقديم الخدمات في هذا القطاع؟
  • ما التوجهات التي يُظهِرها هذا القطاع؟ وهل هو قطاعٌ نامٍ، وإذا كان كذلك فهل أُعِدَّ بحيث يتابع نموه؟
  • ما القطاعات الأخرى في هذه السوق والتي يمكنك دخولها إذا نجحت في هذا القطاع؟

ابحث عن البيانات المرتبطة بالنوعية وعن البيانات المرتبطة بالكمية. وتحدث إلى الزبائن المحتملين من أجل جمع تغذيةٍ راجعة عن احتياجاتهم، واكتشاف مدى تلبية المنافسين لتلك الاحتياجات. ومن ثَمَّ ابحث عن بياناتٍ عن القطاع الذي أنت في طور استهدافه من خلال قراءة تقارير المحللين وتقارير بحث السوق (market research) على سبيل المثال.

مجال العمل/المستوى الواسع (Industry Domain/Macro Level): جاذبية العمل (Industry Attractiveness)

لقد حان الوقت الآن للاطلاع على مدى جاذبية عملك على المستوى الواسع. فقد اقترح "مولنز" استخدام القوى الخمس لبورتر (Porter's Five Forces) لتقويم أي عوامل تؤثر في قدرة عملك على تحقيق الربح. للقيام بذلك حدِّد أولاً العمل الذي تسعى إلى المنافسة فيه، واسأل نفسك بعد ذلك ما مدى سهولة الدخول إلى مجال العمل هذا، فإذا كان الدخول إليه سهلاً فهذا من شأنه أن يجذب إلى السوق سيلاً من المنافسين عندما يرى هؤلاء المنافسون أنَّك قد نجحت في عملك. انظر بعد ذلك إلى منافسيك. هل المنافسة في هذه السوق حادة أو هي ضعيفة؟ وهل تسرق المنظمات أفكار الآخرين في هذا المجال؟ خصص وقتاً لجمع المعلومات حول منافسيك المحتملين للتعرف على ما ينوون القيام به. وأخيراً انظر إلى المشترين والمورِّدين، ما حجم القوة التي يمتلكونها؟ وهل يفرضون أحكامهم وشروطهم بسبب هذه القوة؟ وإذا كان الجواب نعم فكيف سيؤثر هذا في مشروعك؟

مجال العمل/المستوى الضيق (Industry Domain/Micro Level): الميزة المستدامة (Sustainable Advantage)

بعد أن اطلعت على عملك من المستوى الواسع حان الوقت لاستكشافه عن قرب. ابدأ من خلال "تحليل عرض البيع الفريد". ما الذي يمكنك القيام به لتشكيل عرض بيعٍ فريد والحفاظ عليه؟ واكتشف بعد ذلك التي ستحتاج إليها، وفكر في كيفية تطوير هذه القدرات والحفاظ عليها. فكر في مدى سهولة تقليد منافسيك لمنتجك أو خدمتك. وما هي أيضاً الموارد التي تمتلكها أنت ولا يمتلكها منافسوك؟

مجال الفريق (Team Domain): الرسالة، والتطلعات، والميل للمخاطرة (Mission، Aspirations، Propensity for Risk)

في هذا المجال الذي يقع في قلب النموذج ستقوم بتحليل الالتزام – التزامك أنت والتزام فريقك – بهذه الفكرة. فكر في السبب الذي يجعلك ترغب في بدء هذا العمل. وهل تنظر بشغف إلى هذه الفكرة، وإذا كنت كذلك فلماذا؟ ما الذي تودُّ القيام به من خلال هذا العمل – أهو الطموح أم أنَّه فقط العمل الذي ترغب في كسب العيش من خلاله؟ ما أهدافك وقيمك الشخصية، وكيف يرتبط هذا المشروع بهذه الأهداف والقيم؟ وهل أنت مستعد للمجازفة وبذل الجهد المطلوب لبناء هذا العمل؟ استكشف أيضاً دوافع فريقك، ما الذي يأملون في تحقيقه، ولماذا؟ وهل ترتبط دوافعهم بدوافعك؟ وهل هم جاهزون بالفعل للعمل بجد لإنجاح هذا العمل؟

ستكون أموالك وسمعتك على المحك إذا أخفق مشروعك، لذا فكِّر في المواقف التي يتخذها الفريق إزاء المخاطرة.

 

اقرأ أيضاً: 5 أخطاء شائعة في إدارة فريق العمل

 

مجال الفريق (Team Domain): القدرة على الاضطلاع بعوامل النجاح الحاسمة (Ability to Execute on Critical Success Factors)

تحتاج الآن إلى التفكير في عوامل النجاح المرتبطة بالعمل والتفكير بشكلٍ واقعي فيما إذا كان فريقك قادراً على تقديم هذه العوامل. ابدأ القيام بذلك من خلال التفكير في السؤالين الآتيَين:

  • ما القرارات أو الأنشطة التي يمكن أن تُلحِق الأذى بعملك بشكلٍ كبير إذا ما أسأت فهمها حتى وإن سارت جميع الأمور الأخرى بشكلٍ جيد؟
  • ما القرارات أو الأنشطة التي ستقدم الفوائد أو تعزز الأداء بشكلٍ لا يتكافأ مع ما تقدمه أو تعززه بقية القرارات أو الأنشطة حتى وإن سارت جميع الأمور الأخرى بشكلٍ سيِّئ؟

انظر بعد ذلك إلى المعارف والمهارات التي يتمتع بها الفريق الذي جمعتَه. وما حجم تأكدك من أنَّك وفريقك قادرون على الاضطلاع بعوامل النجاح الرئيسة هذه بنجاح؟ وإذا رأيت فجوةً في المهارات أو القدرات فمن الذي ستدفعه باتجاه ملء هذه الفجوة؟

 

اقرأ أيضاً: مصفوفة اتخاذ القرارات المرتبطة بالاستعانة بمصادر خارجية

 

مجال الفريق (Team Domain): الترابط على المستويات العليا، والدنيا، وفي جميع أجزاء سلسلة القيمة (Connectedness Up، Down، Across Value Chain)

يتعلق هذا المجال الأخير بالعلاقات ومدى أهميتها لنجاح عملك. انظر أولاً إلى المورِّدين والمستثمرين الذين تتعامل معهم. مَن الأشخاص الذين تعرفهم والقادرين على تزويدك بالموارد التي تحتاج إليها للشروع بهذا المشروع؟ ما مدى جودة العلاقات التي تجمعك مع هؤلاء الأشخاص؟ انظر بعد ذلك إلى الزبائن والموزِّعين المحتملين، فما الطريقة التي يمكنك من خلالها استغلال علاقاتك هنا؟ وأخيراً انظر إلى سلسلة القيمة، هل تعرف أيَّاً من منافسيك بشكلٍ شخصي؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن لهذه العلاقة أن تساعد على تحقيق مشروعك أو تعيقه؟ وهل يمكنك أن تدخل في شراكةٍ مع هؤلاء الأشخاص إذا فكرت فيهم بشكلٍ مختلف؟

الخطوات الآتية:

في أثناء عملك وفق النموذج ستواجه على الأرجح مشاكل وتحديات لم تتوقع مواجهتها. فأنت تحتاج إلى تقويم مقدار أهمية هذه القضايا. إذا كانت مرتبطة بالعمل أو بالسوق فإلى أي مدى تستطيع التأثير فيها؟ وإذا كانت مرتبطةً بك أو بفريقك فما الذي يمكنك تغييره؟ وماذا سيكون تأثير هذه التغييرات؟ تستطيع في هذه المرحلة اتخاذ قرارٍ بالاستمرار أو بعدم الاستمرار. فإذا قررت "الاستمرار" فتابع تطوير خطة عملك. فالجيد في الأمر أنَّه باستكشافك للمجالات السبعة فأنت قد قمت بالفعل بجزءٍ كبير من البحث الذي تحتاج إليه خطة عملك.

النقاط الرئيسة:

طوّر "جون مولنز" نموذج المجالات السبعة ونشره في العام 2003 في كتابه الذي يحمل عنوان "اختبار قيادة العمل الجديد". يساعدك النموذج على استكشاف فكرة العمل من مجموعة متنوعة من الزوايا بما في ذلك المعرفة التي يتمتع بها فريقك ومواقفه. إذْ يساعدك ذلك على التحقق من قدرة مشروعك على الاستمرار قبل كتابة خطة العمل أو البحث عن التمويل. ويتيح لك هذا النهج أيضاً تعديل منهجك – أو حتى التخلي عن فكرةٍ ما تماماً قبل أن تخصص لها الكثير من الوقت وتبذل في سبيلها الكثير من الجهد.

يتضمن النموذج سبعة مجالات يجب مراعاتها:

  1. فوائد القطاع المستهدف وجاذبيته (مجال السوق/المستوى الضيق).
  2. جاذبية السوق (مجال السوق/المستوى الواسع).
  3. جاذبية العمل (مجال العمل/المستوى الواسع).
  4. الميزة المستدامة (مجال العمل/المستوى الضيق).
  5. الرسالة، والتطلعات، والميل نحو المجازفة (مجال الفريق).
  6. القدرة على الاضطلاع بعوامل النجاح الحاسمة (مجال الفريق).
  7. الترابط على المستويات العليا، والدنيا، وفي جميع أجزاء سلسلة القيمة (مجال الفريق).

لقد صُمِّم النموذج في البداية من أجل رواد الأعمال، ولكنَّك تستطيع استخدام هذا النموذج في المنظمات القائمة لتحديد إذا ما كنت ستسعى إلى تنفيذ فكرة أحد المنتجات الجديدة أو التوسع في السوق.

 

المصدر


المقالات المرتبطة