تُعَدّ المثابرة بمنزلة الوقود الذي يحرك عربة الإنجاز، ولكن في طريق هذه العربة نحو محطتها النهائية ثمَّة العديد من المطبات، من بين هذه المطبات المماطلة، وهي التي تعني ألَّا تبدأ بالعمل أو أن تبدأ به وألَّا تكون قادراً على إنهاءه، إلَّا أنَّك عندما تكون مثابراً فإنَّ في إمكانك تجاوز جميع تلك المطبات، فالمثابرة، على عكس المماطلة، تعني عدم التوقف عن العمل.

إذا سألت الناس عن السبب الذي يدفعهم إلى المماطلة، فستسمع غالباً إجاباتٍ من قبيل: "أنا شخصٌ مثالي. كلُّ شيءٍ يجب أن يكون مرتباً قبل أن أبدأ بالعمل. لا تشويش، ولا فوضى، وطبعاً يجب أن أكون بصحةٍ جيدة، فأنا لا أستطيع أن أعمل عندما أشعر بالصداع". أما النوع الآخر من المماطلة، والذي يتمثل بعدم القدرة على إنهاء العمل، فله مبرراته المثالية أيضاً: "أنا لا أشعر أبداً بالرضى وأُثقل كاهل نفسي بالنقد، وعندما لا تكون جميع النقاط على جميع الحروف، فلا يمكنني أن أشعر بأنَّني انتهيت من العمل. هكذا أنا، ولن أتغير على الأرجح".

هل ترى ماذا يحدث هنا؟ يُحوِّل هؤلاء الخطأ إلى فضيلة، إنَّ تحويل الخطأ إلى فضيلة سلاحٌ يستخدمه العديد من الأشخاص للدفاع عن نقاط ضعفهم عندما يُطلب منهم مناقشتها. ولكنَّ هذه الطريقة طريقةٌ فاشلةٌ في اختلاق الأعذار، فهي لا تتعامل بكل تأكيد مع السبب الحقيقي الذي يقف وراء المماطلة. تذكر أنَّ أساس المماطلة هو الخوف من الإخفاق، وعندما تُمعِن النظر في ذلك ستكتشف أنَّ هذه هي المماطلة بالفعل. ولكن ما هو الفرق بين الخوف من ألَّا تكون مثالياً وأنواع الخوف الأخرى؟ الفرق هو أنَّ الخوف من ألَّا تكون مثالياً يجعلك مشلولاً. وما هو الفرق بين ألَّا تبدأ وبين أن تبدأ وألَّا تنهي ما بدأته؟ في كلتا الحالتين ستكون غير قادرٍ على التحرك وستبقى في مكانك منشغلاً بالمهمة التي بين يديك، وستسمح للأفكار السلبية التي ترى نفسك فيها مستقبلاً أنَّك تُوبَّخ، أو تُعاقَب، أو يُستهزَأ بك بالهيمنة عليك. ستعيقك مثل هذه الأفكار بالفعل عن فعل أيِّ شيء.

سأخبرك كيف تتغلب على المماطلة، وسأُريك كيف تحوِّل المماطلة إلى مثابرة، وإذا نفَّذت ما أقول، ستقوم بالعملية من دون أيِّ عناءٍ تقريباً. تتضمن هذه العملية مبدأين فعالين جداً يعزِّزان الإنتاجية والمثابرة ويخلِّصانك من السلبية والمماطلة:

1- قسِّم المهمة:

بغض النظر عن طبيعة المهمة التي تحاول إنجازها، سواءٌ كانت تأليف كتاب، أو تسلُّق جبل، أو طلاء منزل فإنَّ مفتاح النجاح هو تقسيم المهمة إلى أجزاء يَسْهُل التحكم بها والتعامل معها واحدةً تلو الأخرى، والتركيز على إنجاز ما بين يديك في الوقت الحاضر، وتجاهُل المهمات التي لا علاقة لك بها، واستبدال الأفكار السلبية بأخرى إيجابية.

فلنفترض أنَّني سألتك إذا كان في إمكانك كتابة روايةٍ تتألف من 400 صفحة. يبدو ذلك مستحيلاً، أليس كذلك؟ ولكن فلنفترض أنَّني طرحت عليك سؤالاً مختلفاً، هل يمكنك أن تكتب صفحةً وربع كلَّ يوم لمدة سنة؟ لقد بدأت المهمة تبدو أسهل الآن. إنَّ ما قمنا به هو أنَّنا قسَّمنا الكتاب ذو الأربعمئة صفحة إلى أقسام. وعلى الرغم من ذلك، أعتقد أنَّ العديد من الأشخاص لا يزالون يعتقدون أنَّ هذه المهمة صعبة. هل تعرف لماذا؟ إنَّ كتابة صفحة وربع في اليوم ليست مهمة صعبة، ولكنَّ الذي يبدو صعباً هو القيام بهذا الأمر بشكلٍ يومي لمدة عام كامل. عندما يبدأ الناس بالتفكير بهذه الطريقة، يصبح مزاجهم سلبياً بشكلٍ آلي، لذلك فلنُعِد صياغة الفكرة بطريقةٍ أخرى، ولنقسِّم المهمة إلى مزيدٍ من الأقسام. فلنفترض أنَّني سألتك إذا كان في إمكانك ملء صفحة وربع بالكلمات، ليس لمدة عام، ولا شهر، ولا حتى أسبوع، بل اليوم تحديداً؟ لا تنظر إلى أبعد من هذا اليوم. أعتقد أنَّ معظم الأشخاص سيؤكدون أنَّهم قادرون على إنجاز هذه المهمة. هؤلاء هم الأشخاص نفسهم الذين شعروا بأنَّهم غير قادرين أبداً على تأليف كتابٍ كامل.

إذا عدت غداً وقلت الشيء نفسه لهؤلاء الأشخاص، وهو أنَّني لا أريدك منكم أن تنظروا إلى الخلف، ولا أن تنشغلوا بالمستقبل، أريد منكم فقط أن تكتبوا صفحةً وربع في هذا اليوم بالذات، هل تعتقد بأنَّهم قادرون على القيام بذلك؟ ما نقوم به هنا هو أنَّنا نؤدي عملنا يوماً تلو يوم، فنحن نقسِّم الوقت اللازم لإنجاز مهمةٍ ما إلى أقسام، المدة الزمنية لكلٍّ منها يومٌ واحد. وهذا ما فعلناه مع الكتاب ذي الأربعمئة صفحة من خلال تقسيم مهمة كتابته إلى أقسام يتألف كلٌّ منها من صفحة وربع يومياً. عندما تستمر بهذه الطريقة على مدار عامٍ كامل فستجد أنَّك قد كتبت الكتاب. عوِّد نفسك على ألَّا تنشغل بالمستقبل ولا بالماضي، عندها يمكنك القيام بأشياء لم تتصور من قبل أنَّه في إمكانك القيام بها. كل ما عليك أن تقوم به هو أن تبدأ مهمتك بتقسيمها.

2- دوِّن ما تقوم به:

مثلما يُعَدّ التدوين مهمَّاً عند وضع الأهداف، فإنَّه مهماً أيضاً للتغلب على المماطلة. بدلاً من التركيز على المستقبل، دوِّن الحاضر مثلما تشعر به. وبدلاً من وصف الأشياء التي ترغب في القيام بها أو الأماكن التي تودُّ زيارتها، صف ما تقوم به في الواقع، وسيكون لديك سجلٌّ للأماكن التي زرتها بالفعل. بعبارةٍ أخرى، سيكون عندك ما يشبه المذكرات اليومية التي تتضمن الأنشطة اليومية التي تقوم بها. سيذهلك حجم العراقيل والعقبات التي تتعرض لها والوقت الذي يضيع منك في أثناء اليوم، وجميع هذه الأشياء تقف في طريق وصولك إلى أهدافك. الأمر الجيد في أن يكون لديك مذكرات يومية هو أنَّ هذه المذكرات تكشف لك جميع هذه الأشياء، وتجعلك تراقب الأشياء التي تقوم بها، وتلفت انتباهك إلى ما لا تقوم به.

ليس من الضروري أن تكون تلك المذكرات مفصَّلة. اشترِ دفترَ ملاحظاتٍ صغيراً فقط يمكنك حمله بسهولةٍ في جيبك. عندما تذهب إلى الغداء، وعندما تقود سيارتك، وعندما تذهب إلى محل تنظيف الثياب، وعندما تثرثر مع الأصدقاء سجِّل ملاحظاتٍ سريعةً حول الوقت الذي بدأت فيه النشاط والوقت الذي انتهى فيه. حاول تدوين ذلك بأقصى سرعة ممكنة، ولكن إذا لم يكن ذلك ممكناً في الحال يمكنك تأجيله إلى وقتٍ لاحق. لكن يجب عليك تدوين أنشطتك كل ثلاثين دقيقة على الأقل، ويجب عليك الاستمرار في ذلك لأسبوعٍ على الأقل.

قسِّم المهمة ودوِّن ما تقوم به. قد تكون هاتان التقنيتان بسيطتان، ولكن لا يغرك ذلك، فهما تزيدان من إنتاجيتك وتجعلانك أكثر فعالية. هكذا تهزم المماطلة وتبدأ مهمتك.

 

المصدر