لنفترض أنَّ لديك قريباً خطاباً مهماً يجب عليك أن تلقيه، وأنَّك وضعت جدول أعمالٍ مثيراً للإعجاب، وجهّزت عرضاً تقديمياً جميلاً، وتدربت على الإجابة عن جميع الأسئلة الصعبة. ولكنَّ المشكلة هي أنَّ كل ما سبق يركز الاهتمام على وسط الخطاب وعلى نهايته ويتجاهل الجزء الأهم فيه وهو الثانيتان الأوليتان منه. فهل يمكن أن تُخمّن ما الذي يحصل إذا لم تستفد من هاتين الثانيتين؟ يكون كل العمل الجاد الذي بذلته بلا جدوى.

في عام 1992 وجد الباحثان "ناليني أمبادي" (Nalini Ambady) و"روبرت روزنثال" (Robert Rosenthal)، اللذين أصبحا فيما بعد باحثين في جامعة هارفرد، إنَّ الانطباع الأول الذي يأخذه الناس عنا يُعَدُّ أساسياً في نجاحنا. فقد طلبا في تجربتهما من الطلاب تقويم فيديوهات مدة كل منها ثانيتين لأساتذة يقدمون دروساً، ثم أخذوا تلك التقويمات ووازنوها مع تقويم نفس للطلاب نفسهم وللأستاذة نفسهم بعد فصلٍ دراسيٍّ كامل، وكانت النتيجة أنَّ الأساتذة الذين حصلت فيديوهاتهم على تقويمات سيئة حصلوا على تقويمات سيئة من الطلاب بعد الفصل الدراسي. وتلقى الأساتذة الذين حصلت فيديوهاتهم على تقويمات جيدة كذلك أفضل التقويمات من الطلاب بعد نهاية الفصل الدراسي.

لقد حصل الأساتذة على التقويم ذاته سواءً أكان ذاك التقويم مبنياً على فيديو مدته ثانيتين أو على عشرات الساعات التدريسية. ولكنَّ المفاجأة هي أنَّ الفيديوهات ذات الثانيتين كانت دون صوت، وهو ما يعني أنَّ الطلاب الذين كانوا يشاهدونها كانوا يطلقون أحكامهم على لغة الجسد وحدها.


اقرأ أيضاً:
أربعة مفاتيح لتحصل على انطباع أولي ممتاز!


يطلق "أمبادي" و"روزينثال" على هذا السلوك اسم (thin-slicing) وهو يعني "الشرائح الرقيقة"، وهما يزعمان أنَّنا نطلق أحكاماً سريعة (شرائح رقيقة) على الأشخاص الذين نقابلهم ونادراً ما نغير تلك الأحكام. هذا الأمر لا يُعَدُّ مهما بالنسبة إلى المعلمين فقط، إذ وجد العديد من الطلاب أنَّ هذا السلوك يحدث في أثناء المواعدة، وتربية الأطفال، والاطلاع على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي. والنتيجة واضحة: إذا لم نحسن الاستفادة من الانطباع الأول الذي يأخذه الناس عنا فإنَّ جميع استعداداتنا ستذهب سدى. ولكنَّك في المقابل تستطيع أن تُجيِّر ذلك لصالحك من خلال تحقيق أقصى استفادة من أول ثانيتين لكسب دعم الجمهور، فكيف تفعل ذلك؟

الخطوة الأولى: الدخول المهيب

قد نعتقد بأنَّنا نعطي أول انطباعٍ عنا حينما نبدأ بالتكلّم، ولهذا السبب نضع ثقلنا في الكلمات الافتتاحية والختامية. ولكنَّ الانطباع الأول الذي يأخذه الشخص عنك يبدأ للأسف مع أول نظرة يلقيها ذاك الشخص عليك، لذا فإنَّ طريقة صعودك إلى المنصة ودخولك الغرفة تضاهي في أهميتها كلمتك الافتتاحية.

كُن متأهّباً وتأكّد من أنّ الأجواء تحت السيطرة قبل بدء الخطاب، فرتّب شرائح العرض التقديمي، واختبر الميكروفون، واخفِ حقائبك إذ ينبغي ألا أن تنشغل في أول ثانيتين من خطابك بمثل هذه الأمور. وحينما تصعد إلى المنصة أو تدخل إلى غرفة الاجتماعات أظهر التصميم ولتكن الابتسامة باديةً على محياك.

وإذا كان عليك الانتظار حتى ينتهي الحضور من ملء بعض الأوراق فتأكَّد من ألَّا تنشغل في هذه الأثناء في تفقد هاتفك، أو توزيع الأوراق، أو مراجعة عرضك التقديمي بانفعال بل اجلس وحيّي الوافدين فرداً فرداً.

الخطوة الثانية: السيطرة على المحتوى

يُقدّم المعلمون المتميزون المواد التي يدرسونها بثقة ويبدون سعادةً في أثناء تقديمها للطلاب وهو الأمر ذاته الذي يجب عليك القيام به في أول ثانيتين من خطابك. لذا أعِدَّ كلمةً افتتاحيةً حماسية، ليس لأنَّ الكلمات مهمة بل لأنَّك حينما تعي ما تقول تستطيع تركيز الاهتمام فعلياً على الإلقاء وإظهار الشغف والحماسة الصادقة وترك انطباع يبقى محفوراً في الذاكرة.

وبعد تنقضي أول ثانيتين انظر في عيون الأشخاص الموجودين في الغرفة فرداً فرداً بحيث يشعرون أنَّك تخاطبهم مباشرةً. يُعَدُّ القيام بهذا سهلاً في غرف الاجتماعات الصغيرة أو في الصفوف الدراسية بالطبع ولكنَّك تستطيع القيام به كذلك إذا كنت في مدرجٍ كبير من خلال التحرك فيه بأسلوب رقم 8 في اللغة الإنكليزية والتوجه نحو الزوايا والوقوف وقوفاً قصيراً في المنتصف. ويمكنك إعادة هذه الحركة كل بضعة ثواني في أثناء خطابك.

بعد القيام بذلك استرخِ، فقد أخذ الجمهور انطباعاً رائعاً عنك وحان الآن الوقت لقطف ثمار ذاك الانطباع.

 

المصدر


المقالات المرتبطة